كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 10)
قال الخطابي: في هذا الحديث معنى لطيف، وذلك أنه عليه السلام استعاذ بالله وسأله أن يجيره برضاه من سخطه، وبمعافاته من عقوبته، والرضى والسخط ضدان متقابلان، وكذلك المعافاة والمعاقبة، فلما صار إلى ذكر ما لا ضد له وهو الله تعالى استعاذ به منه لا غيره، ومعناه: الاستغفار من التقصير في بلوغ الواجب من حق عبادته والثناء عليه.
وقوله: "لا أحصي ثناء عليك" أي لا أطيقه ولا آتي عليه، وقيل: لا أحيط به، وقال مالك: لا أحصي نعمتك وإحسانك والثناء بهما عليك وإن اجتهدت في الثناء بهما عليك.
__________
"قال الخطابي: في هذا الحديث معنى لطيف، وذلك أنه عليه السلام استعاذ بالله وسأله أن يجيره برضاه من سخطه، وبمعافاته من عقوبته، والرضا والسخط ضدان متقابلان، وكذلك المعافاة والمعاقبة، فلما صار إلى ذكر ما لا ضد له، وهو الله" سبحان و"تعالى"، "استعاذ به منه لا غيره" قال الأبي: الأولى أن لا يكون استعاذ به منه لحديث المرأة التي استعاذت من النبي صلى الله عليه وسلم فأبعدها منه وقال لها ما قال، وإنما استعاذ من عقوبته، فالتقدير: أعوذ من عقوبتك بك. انتهى.
وفيه نظر، لأنه على ما قدره يتكرر في المعنى مع قوله: وبمعافاتك من عقوبتك، وليس هذا كقول المرأة: أعوذ بالله منك، لأن قصدها البعد وأن لا يقربها، والنبي صلى الله عليه وسلم قصده بقوله: "وبك منك". مزيد القرب المعنوي واللجأ إلى الله تعالى وقطع الالتفات إلى غيره، كما مر عن عياض، وإليه الإشارة بقوله، "ومعناه الاستغفار من التقصير في بلغ الواجب من حق عبادته والثناء عليه" ولذا عقبه بقوله: "لا أحصي ثناء عليك" وأخذ من الحديث صحة قول سبحان من تواضع كل شيء لعظمته، وقول الخطيب يوم الجمعة: واجتمعنا متضرعين لعظمتك، وحجة المانع أن التواضع والتضرع إنما يكوننا لذاته تبارك وتعالى، قاله الأبي. "وقوله: "لا أحصي ثناء عليك" أي لا أطيقه ولا آتي" بالمد "عليه" جميعه، بل أنا عاجز عنه وإن أتيت ببعضه، أي: لا أطيق الثناء عليك بما تستحق أن يثنى به عليك.
"وقيل" معناه "لا أحيط به" لأنه إنما يحاط بالمتناهي والثناء عليه لا نهاية له.
"وقال مالك" الإمام: معناه: "لا أحصي نعمتك وإحسانك والثناء بهما عليك، وإن اجتهدت في الثناء بهما عليك" لأن الثناء فرع الإحاطة بالنعم، وهي لا تحصى، قاله الأبي، وقيل: معناه لا أعد، لأن أصل معنى الإحصاء العد بالحصى، كما قال:
ولست بالأكثر منهم حصى ... وإنما العزة للكاثر