كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 10)
فقبضت رجليها، وإذا قام ببسطتهما. رواه البخاري.
وكان عليه السلام لا يلتفت في صلاته. في البخاري عن عائشة قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الالتفات في الصلاة قال: "هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد".
__________
الحديث، أي: اعتراضًا كاعتراض الجنازة بأن تكون نائمة بين يديه من جهة يمينه إلى جهة يساره، كما تكون الجنازة بين يدي المصلي عليها، "فإذا سجد غمزها"، أشار أو طعن "بيده"، أي بأصبعه كما قاله البرهان الحلبي، قائلا: إن ذلك جاء في رواية، "فقبضت رجليها، وإذا قام بسطتها"، قالت عائشة في رواية للشيخين: والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح، يعني: إذ لو كانت لقبضت رجلي عند إرادة السجود ولما أحوجته للغمز فهو اعتذار، وفيه دلالة لمذهب مالك أن لمس المرأة بلا لذة لا ينقض الوضوء، لأن شأن المصلي عدم اللذة، لا سيما النبي صلى الله عليه وسلم، واحتمال الحائل الأصل عدمه أو الخصوصية، فهي لا تثبت بالاحتمال، وعلى أن المرأة لا تبطل صلاة من صلى إليها، وعليه الشافعي وأبو حنيفة ومالك مع كراهته لذلك لئلا يتذكر منها ما يشغله عن الصلاة أو يبطلها، والنبي صلى الله عليه وسلم معصوم، "رواه البخاري" ومسلم وأبو داود وابن ماجه من حديث عائشة بطرق عديدة وألفاظ متقاربة.
"وكان عليه السلام لا يلتفت في صلاته" لأنه ينقص الخشوع، أو لترك استقبال القبلة ببعض البدن والإجماع على كراهته، والجمهور أنها للتنزيه، وقالت الظاهرية: يحرم إلا لضرورة، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "لا يزال الله مقبلا على العبد في صلاته ما لم يلتفت، فإذا صرف جهه عنه انصرف". رواه أبو داود والنسائي وابن خزيمة، وزاد: "فإذا صليتم فلا تلتفتوا".
"في البخاري: عن عائشة قالت: سألت رسول صلى الله عليه وسلم عن الالتفات في الصلاة، قال": "هو اختلاس" أي: اختطاف بسرعة، وفي النهاية: افتعال من الخلسة، وهي ما يؤخذ سلبًا مكابرة وفيه نظر، وقال غيره: المختلس الذي يختطف من غير غلبة ويهرب ولو مع معاينة المالك، والناهب يأخذ بقوة، والسارف من يأخذ خفية، فلما كان الشيطان قد يشغل المصلي عن صلاته بالالتفات إلى شيء ما بغير حجة يقيمها أشبه المختلس "يختلسه"، "بالضمير" للكشميهني، وللأكثر: يختلس بلا ضمير "الشيطان من صلاة العبد".
قال ابن بريزة: أضيف إلى الشيطان، لأن فيه انقطاعًا من ملاحظة التوجه إلى الحق سبحانه، وقال الطيبي: سمي اختلاسًا تصويرًا لقبح تلك الفعلة من المختلس، لأن المصلي يقبل عليه الرب تعالى والشيطان مترصد له ينتظر فوات ذلك عليه، فإذا التفت اغتنم الشيطان الفرصة فسلبه تلك الحالة.