كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 10)
القرآن واستخراج كنوز العلم منه.
وكان صلى الله عليه وسلم يصلي فعرض له الشيطان ليقطع عليه صلاته، فأخذه صلى الله عليه وسلم وخنقه حتى سال لعابه على يديه.
__________
واستخراج كنوز العلم منه" فإنه لا يضر الصلاة حيث لا يذهل عن شيء منها، "وكان صلى الله عليه وسلم يصلي فعرض له الشيطان" إبليس.
لكن في رواية للبخاري أن عفريتا من الجن تفلت عليَّ قال الحافظ: وهو ظاهر في أن المراد بالشيطان في هذه الرواية غير إبليس كبير الشياطين "ليقطع عليه صلاته" أذية له وإن كان لا تسليط له في قول ولا فعل ولا سبيل له إلى وسوسته، ولعبد الرزاق: عرض لي في صورة هر، ولمسلم عن أبي الدرداء: جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي، ففهم ابن بطال وغيره أنه عرض على صورته التي خلق عليها، وأن رؤيته كذلك خاصة به صلى الله عليه وسلم وأما غيره فلا لآية {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ} [الأعراف: 27] مردود، "فأخذه صلى الله عليه وسلم وخنقه" خنقا شديدا "حتى سال لعابه" أي: الشيطان "على يديه" صلى الله عليه وسلم وللنسائي من حديث عائشة: فأخذته، فصرعته، خنقته حتى وجدت برد لسانه على يدي.
والحديث في الصحيحين والنسائي واللفظ للبخاري عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن عفريتا من الجن تفلت علي البارحة -أو كلمة لمحوها- ليقطع علي الصلاة، فأمكنني الله منه، فأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتى تصبحوا وتنظروا إليه كلكم، فذكرت قول أخي سليمان: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} فرددته خاسئا". أي: مطرودا وتفلت" بالفاء وشد اللام أي: عرض لي فلتة، أي: بغتة.
وقال القزاز: يعني توثب، وفي رواية: "عرض لي فشد علي". قال صاحب المنتهى: كل زائل بارح، ومنه سميت البارحة وهي أدنى ليلة زالت، ثم لا يشكل مع هذا قوله صلى الله عليه وسلم لعمر: "والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكا فجا قط إلا سلك فجا غير فجك". رواه الشيخان، لأنه ليس فيه إلا فراره من مشاركته في سلوك الطريق لشدة بأسه خوفا أن يفعل به شيئا، وهذا لا يقتضي عصمته، فلا يمنع من وسوسته له بحسب ما تصل إليه قدرته، بخلاف النبي صلى الله عليه وسلم، فلا سبيل له إلى وسوسته بوجه، وتعرضه له وتفلته عليه، إنما هو من الأذى الحسي، سلمنا أن عدم تسليطه على عمر بالوسوسة يؤخر بطريق مفهوم الموافقة، لأنه إذا امتنع من سلوك الطريق، فأولى أن لا يلابسه بحيث يتمكن من وسوسته له، لأنه يمكن كما قال الحافظ، أن عمر حفظ من الشيطان، ولا يلزم من ذلك ثبوت العصمة له، لأنها في حق النبي واجبة، وفي حق غيره ممكنة. انتهى.
وأما قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي