@ 132 @
الموصل مثل الموصل لا يترك لامرأه فإن عز الدين ما أرسلهن إلا وقد عجز عن حفظ البلد ووافق ذلك هواه فأعادهن خائبات واعتذر بأعذار غير مقبولة ولم يكن إرسالهم عن ضعف ووهن إنما أرسلهن طلبا لدفع الشر بالتي هي أحسن فلما عدن رحل صلاح الدين إلى الموصل وهو كالمتيقن أنه يملك البلد وكان الأمر بخلاف ذلك فلما قارب البلد نزل على فرسخين منه وامتد عسكره في تلك الصحراء بنواحي الحلة المراقية وكان يجري بين العسكر مناوشات بظاهر الباب العمادي وكنت إذ ذاك بالموصل وبذل العامة نفوسهم غيظا وحنقا لرده النساء فرأى صلاح الدين ما لم يكن يحسبه فندم على رده النساء ندامة الكسعي حيث فاته الذكر وملك البلد وعاد على الذين أشاروا بردهن باللوم والتوبيخ وجاءته كتب القاضي الفاضل وغيره ممن ليس له هوى في الموصل يقبحون فعله وينكرونه وأتاه وهو على الموصل زين الدين يوسف ابن زين الدين صاحب إربل فأنزله ومعه أخوه مظفر كوكبري وغيرهما من الأمراء بالجانب الشرقي من الموصل وسير من المنزلة علي بن أحمد المشطوب الهكاري إلى قلعة الجزيرة من بلد الهكارية فحصرها واجتمع عليه من الأكراد والهكارية كثير وبقي هناك إلى أن رحل صلاح الدين عن الموصل وكان عامة الموصل يعبرون دجلة فيقاتلون من الجانب الشرقي من العسكر ويعودون ولما كان صلاح الدين يحاصر الموصل بلغ اتابك عز الدين صاحبها أن نائبه بالقلعة يكاتبه فمنعه من الصعود إلى القلعة وعاد يقتدي برأي مجاهد الدين وكان قد أخرجه كما ذكرناه ويصدر عن رأيه وضبط الأمور وأصلح ما كان فسد من الأحوال حتى آل الأمر إلى الصلح على ما نذكره إن شاء الله
وحضر عند صلاح الدين إنسان بغدادي أقام بالموصل ثم خرج إلى صلاح الدين فأشار عليه بقطع دجلة عن الموصل إلى ناحية نينوى وقال إن دجلة إذا نقلت عن الموصل عطش أهلها فملكناها بغير قتال فظن صلاح الدين ان قوله صدق فعزم على ذلك حتى علم أنه لا يمكن قطعه بالكلية فإن المدة تطول والتعب يكثر ولا فائدة وراءه وقبحه عنده أصحابه فأعرض عنه وأقام بمكانه من أول ربيع الآخرة إلى أن قارب آخره ثم رحل عنها إلى ميافارقين
وكان سبب ذلك أن شاه أرمن صاحب خلاط توفي بها تاسع ربيع الآخر فوصل الخبر بوفاته في العشرين منه فعزم على الرحيل إليها وتملكها حيث إن شاء أرمن لم يخلف ولدا ولا أحدا من أهل بيته يملك بلاده بعده وإنما قد استولى عليها