كتاب الكامل في التاريخ - العلمية (اسم الجزء: 10)

@ 135 @
عليها وكان نزوله في شعبان وأقام بها شعبان ورمضان وترددت الرسل بينه وبين عز الدين صاحب الموصل وصار مجاهد الدين يراسل ويتقرب وكان قوله مقبولا عند سائر الملوك لما علموا من صحته فبينما الرسل تتردد في الصلح إذ مرض صلاح الدين وسار مع كفر زمار وعاد إلى حران فلحقه الرسل بالاجابة الى ما طلب فتقرر الصلح وحلف على ذلك وكانت القاعدة ان يسلم إليه عز الدين شهرزور وأعمالها وولاية القرابلي وجميع ما وراء الزاب من أعمال وأن يخطب له على منابر بلاده ويضرب اسمه على السكة فلما حلف أرسل رسله فحلف عز الدين له وتسلم البلاد التي استقرت القاعدة على تسليمها ووصل صلاح الدين إلى حران فأقام بها مريضا وأمنت الدنيا وسكنت الدهماء وانحسمت مادة الفتن وكان ذلك بتوصل مجاهد الدين قايماز رحمه الله وأما صلاح الدين فإنه طال مرضه بحران وكان عنده من أهله أخوه الملك العادل وله حينئذ حلب وولده الملك العزيز عثمان واشتد مرضه حتى أيسوا من عافيته فحلف الناس لأولاده وجعل لكم منهم شيئا من البلاد معلوما وجعل أخاه العادل وصيا على الجميع ثم إنه عوفي وعاد إلى دمشق في المحرم سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة ولما كان مريضا بحران كان عنده ابن عمه ناصر الدين محمد بن شيركوه وله من الأقطاع حمص والرحبة فسار من عنده إلى حمص فاجتاز بحلب واحضر جماعة من الدمشقيين وواعدهم على تسليم البلد إليه إذا مات صلاح الدين وأقام بحمص ينتظر موته ليسير إلى دمشق فيملكها فعوفي وبلغه الخبر على جهته فلم يمض غير قليل حتى مات ابن شيركوه ليلة عيد الأضى فإنه شرب الخمر وأكثر منه فأصبح ميتا فذكروا والعهدة عليهم أن صلاح الدين وضع إنسانا يقال له الناصح بن العميد وهو من دمشق فحضر عنده ونادمه وسقاه سما فلما اصبحوا من الغد لم يروا الناصح فسألوا عنه فقيل إنه سار من ليلته إلى صلاح الدين فكان هذا مما قوى الظن فلما توفي أعطى أقطاعه لولده شيركوه وعمره اثنتا عشرة سنة وخلف ناصر الدين من الأموال والخيل والآلات شيئا كثيرا فحضر صلاح الدين في حمص واستعرض تركته وأخذ أكثرها ولم يترك إلا ما لا خير فيه وبلغني أن شيركوه بن ناصر الدين حضر عند صلاح الدين بعد موت أبيه بسنة فقال له إلى أين بلغت من القرآن فقال إلى قوله تعالى { إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا } فعجب صلاح الدين والحاضرون من ذكائه

الصفحة 135