كتاب الكامل في التاريخ - العلمية (اسم الجزء: 10)

@ 148 @
قال فنظرت إليه وقد علته كآبة واربد لونه وأمسك بلحيته وتقدم وهو يصيح كذب الشيطان قال فعاد المسلمون على الفرنج فرجعوا فصعدوا إلى التل فلما رأيت الفرنج قد عادوا والمسلمون يتبعونهم صحت من فرحي هزمناهم فعاد الفرنج فحملوا حملة ثانية مثل الأولى ألحقوا المسلمين بوالدي وفعل مثل ما فعل أولا وعطف المسلمون عليهم فألحقوهم بالتل فصحت أنا أيضا هزمناهم فالتفت والدي إلي وقال اسكت ما نهزمهم حتى تسقط تلك الخيمة قال فهو يقول لي وإذا الخيمة قد سقطت فنزل السلطان وسجد شكرا لله تعالى فبكى من فرحه
وكان سبب سقوطها أن الفرنج لما حملوا تلك الحملات ازدادوا عطشا وقد كانوا يرجون الخلاص في بعض تلك الحملات مما هم فيه فلم يجدوا إلى الخلاص طريقا فنزلوا عن دوابهم وجلسوا على الأرض فصعد المسلمون إليهم فألقوا خيمة الملك وأسروهم عن بكرة أبيهم وفيهم الملك وأخوه والبرنس أرباط صاحب الكرك ولم يكن في الفرنج أشد منه عداوة للمسلمين وأسروا أيضا صاحب جبيل وابن هنفري ومقدم الداوية وكان من أعظم الفرنج شأنا وأسروا أيضا جماعة من الداوية وجماعة من الإسبتارية وكثر القتل والأسر فيهم فكان من يرى القتلى لا يظن انهم أسروا واحدا ومن يرى الأسرى لا يظن أنهم قتلوا أحدا وما اصيب الفرنج منذ خرجوا إلى الساحل وهو سنة إحدى وتسعين وأربعمائة إلى الآن بمثل هذه الوقعة
فلما فرغ المسلمون منهم نزل صلاح الدين في خيمته وأحضر ملك الفرنج عنده وبرنس صاحب الكرك وأجلس إلى جانبه وقد اهلكه العطش فسقاه ماء مثلوجا فشرب وأعطى فضله برنس صاحب الكرك فشرب صلاح الدين إن هذا الملعون لم يشرب الماء بإذني فينال أماني ثم كلم البرنس وقرعه بذنوبه وعدد عليه عوراته وقام إليه بنفسه فضرب رقبته وقال كنت نذرت دفعتين أن أقتله إن ظفرت به إحداهما لما أراد المسير إلى مكة والمدينة والثانية لما أخذ القفل غرا فلما قتله وسحب وأخرج ارتعدت فرائص الملك فسكن جأشه وأمنه وأما القمص صاحب طرابلس فإنه لما نجا من المعركة كما ذكرناه وصل الى صور ثم قصد طرابلس ولم يلبث إلا أياما قلائل حتى مات غيظا وحنقا مما جرى على الفرنج خاصة وعلى دين النصرانية عامة

الصفحة 148