@ 152 @
وإذا ليس له صحة فأرادوا تسكين من به فلم يمكنهم ذلك لكثرة ما اجتمع فيه من السواد فلما خافوا على انفسهم من الاختلاف الواقع أرسلوا يطلبون الأمان فأمنهم على نفوسهم وأموالهم وتسلمها في التاسع والعشرين من جمادى الأولى من السنة فكان مدة حصرها ثمانية أيام وأما جبيل فإن صاحبها كان من جملة الأسرى الذين سيروا إلى دمشق مع ملكهم فتحدث مع نائب صلاح الدين بدمشق في تسليم جديد على شرط إطلاقه فعرف صلاح الدين بذلك فأحضره مقيدا عنده تحت الاستظهار والاحتياط وكان العسكر حينئذ على بيروت فسلم حصنه وأطلق اسرى المسلمين الذين به وأطلقه صلاح الدين كما شرط له وكان هذا صاحب جبيل من أعيان الفرنج واصحاب الرأي والمكر والشر به يضرب المثل بينهم وكان للمسلمين منه عدو أزرق وكان إطلاقه من الأسباب الموهنة للمسلمين على ما يأتي بيانه
$ ذكر خروج المركيش الى صور $
لما انهزم القمص صاحب طرابلس من حطين الى مدينة صور فأقام بها وهي أعظم بلاد الشام حصانة وأشد امتناعا على من رامها فلما رأى السلطان قد ملك تبنين وصيدا وبيروت خاف أن يقصد صلاح الدين صور وهي فارغة ممن يقاتل فيها ويحميها ويمنعها فلا يقوى على حفظها وتركها وسار الى مدينة طرابلس فبقيت صور شاغرة لا مانع لها ولا عاصم من المسلمين فلو بدأ بها صلاح الدين قبل تبنين وغيرها لأخذها بغير مشقة لكنه استعظمها لحصانتها فأراد أن يفرغ باله مما يجاورها من نواحيها ليسهل أخذها فكان ذلك سبب حفظها { وكان أمر الله قدرا مقدورا } واتفق أن إنسانا من الفرنج الذين داخل البحر يقال له المركيش لعنه الله خرج في البحر بمال كثير للزيارة والتجارة ولم يشعر بما كان من الفرنج فأرسى بعكا وقد رابه ما رأى من ترك عوائد الفرنج عند وصول المراكب من الفرح وضرب الأجراس وغير ذلك وما رأى أيضا من زي أهل البلد فوقف ولم يدر ما الخبر وكانت الريح قد ركدت فأرسل الملك الأفضل إليه بعض أصحابه في سفينة يبصر من هو ومن يريد فأتاه القاصد فسأله المركيش عن الأخبار لما أنكره فأخبره بكسرة الفرنج وأخذ عكا وغيرها وأعلمه ان صور بيد الفرنج وعسقلان وغيرها وحكى الأمر له على وجهه فلم يمكنه الحركة لعدم الريح فرد