كتاب الكامل في التاريخ - العلمية (اسم الجزء: 10)

@ 156 @
ليحضر عند صلاح الدين في هذا الأمر وتحريره فأجيب إلى ذلك وحضر عنده ورغب في الأمان وسأل فيه فلم يجبه إلى ذلك واستعطفه فلم يعطف عليه واسترحمه فلم يرحمه فلما أيس من ذلك قال له أيها السلطان اعلم اننا في هذه المدينة في خلق كثير لا يعلمهم إلا الله تعالى وإنما يفترون عن القتال رجاء الأمان ظنا منهم أنك تجيبهم إليه كما اجبت غيرهم وهم يكرهون الموت ويرغبون في الحياة فإذا رأينا الموت لا بد منه فوالله لنقتلن أبناءنا ونساءنا ونحرق أموالنا وامتعتنا ولا نترككم تغنمون منها دينارا واحدا ولا درهما ولا تسبون وتأسرون رجلا ولا امرأة وإذا فرغنا من ذلك اخربنا الصخرة والمسجد الأقصى وغيرهما من الموضع ثم نقتل من عندنا من أسارى المسلمين وهم خمسة آلاف اسير ولا نترك لنا دابة ولا حيوانا الا قتلناه ثم خرجنا إليكم كلنا قاتلناكم قتال من يريد أن يحمي دمه ونفسه وحينئذ لا يقتل الرجل حتى يقتل أمثاله ونموت أعزاء او نظفر كراما
فاستشار صلاح الدين أصحابه فاجمعوا على اجابتهم الى الامان وان لا يخرجوا ويحملوا على ركوب ما لا يدرى عاقبة الأمر فيه عن أي شيء تنجلي ونحسب انهم اسارى بأيدينا فنبيعهم نفوسهم بما يستقر بيننا وبينهم فأجاب صلاح الدين حينئذ إلى بذل الامان للفرنج فاستقر أن يؤخذ من الرجل عشرة دنانير يستوي فيه الغني والفقير ويزن الطفل من الذكور والبنات دينارين وتزن المرأة خمسة دنانير فمن أدى ذلك إلى أربعين يوما فقد نجا ومن انقضت الأربعون يوما عنه ولم يؤد ما عليه فقد صار مملوكا فبذل باليان بن بيرزان عن الفقراء ثلاثين ألف دينار فأجيب الى ذلك وسلمت المدينة يوم الجمعة السابع والعشرين من رجب وكان يوما مشهودا ورفعت الأعلام الإسلامية على أسواره ورتب صلاح الدين على ابواب البلد في كل باب أمينا من الأمراء ليأخذوا من أهله ما استقر عليهم فاستعلموا الخيانة ولم يؤدوا فيه أمانة واقتسم الأمناء الأموال وتفرقت أيدي سبا ولو أديت فيه الأمانة لملأ الخزائن وعم الناس فإنه كان فيه على الضبط ستون ألف رجل ما بين فارس وراجل سوى من يتبعهم من النساء والولدان ولا يعجب السامع من ذلك فإن البلد كبير واجتمع اليه من تلك النواحي من عسقلان وغيرها والداروم والرملة وغزة وغيرها من القرى بحيث امتلأت الطرق والكنائس وكان الإنسان لا يقدر أن يمشي ومن الدليل على كثرة الخلق أن اكثرهم

الصفحة 156