@ 158 @
الداوية بنوا غربي الأقصى أبنية ليسكنوها وعملوا فيها ما يحتاجون إليه من هري ومستراح وغير ذلك وادخلوا بعض الأقصى في أبنيتهم فأعيد إلى الأول وأمر بتطهير المسجد والصخرة من الاقذار والأنجاس ففعل ذلك اجمع ولما كان الجمعة الأخرى رابع شعبان صلى المسلمون فيه الجمعة ومعهم صلاح الدين وصلى في قبة الصخرة وكان الخطيب والإمام محيي الدين بن الزنكي قاضي دمشق
ثم رتب فيه صلاح الدين خطيبا وإماما برسم الصلوات الخمس وأمر أن يعمل له منبر فقيل له إن نور الدين محمودا كان قد عمل بحلب منبرا أمر الصناع بالمبالغة في تحسينه وإتقانه وقال هذا قد علمناه لينصب بالبيت المقدس فعمله النجارون في عدة سنين لم يعمل في الإسلام مثله فأمر بإحضاره فحمل من حلب ونصب بالقدس وكان بين عمل المنبر وحمله ما يزيد على عشرين سنة وكان هذا من كرامات نور الدين وحسن مقاصده رحمه الله
ولما فرغ صلاح الدين من صلاة الجمعة تقدم بعمارة المسجد الأقصى واستنفاد الوسع في تحسينه وترصيفه وتدقيق نقوشه فأحضروا من الرخام الذي لا يوجد ومن الفص المذهب القسطنطيني وغير ذلك مما يحتاجون اليه قد ادخر على طول السنين فشرعوا في عمارته ومحوا ما كان في تلك الأبنية من الصورة وكان الفرنج فرشوا الرخام فوق الصخرة وغيبوها فأمر بكشفها وكان سبب تغطيتها بالفرش أن القسيسين باعوا كثيرا منها للفرنج الواردين اليهم من داخل البحر للزيارة يشترونه بوزنه ذهبا رجاء بركتها وكان احدهم إذا دخل إلى بلاده باليسير منها بنى له الكنيسة ويجعل في مذبحها فخاف بعض ملوكهم أن تفنى فأمر بها ففرش فوقها حفظا لها فلما كشفت نقل إليها صلاح الدين المصاحف الحسنة والربعات الجيدة ورتب القراء وأدر عليهم الوظائف الكثيرة فعاد الإسلام هناك غضا طريا وهذه المكرمة من فتح البيت المقدس لم يفعلها بعد عمر بن الخطاب رضي الله عنه غير صلاح الدين رحمه الله وكفاه ذلك فخرا وشرفا وأما الفرنج من أهله فإنهم أقاموا وشرعوا في بيع مالا يمكنهم حمله من أمتعتهم وذخائرهم وأموالهم وما لا يطيقون حمله وباعوا ذلك بأرخص الثمن فاستراه التجار من أهل العسكر واشتراه النصارى من أهل القدس الذين ليسوا من الفرنج فإنهم طلبوا من صلاح الدين ان يمكنهم من المقام في مساكنهم ويأخذ منهم الجزية فأجابهم الى ذلك فاستقرو فاشتروا حينئذ من أموال الفرنج وترك الفرنج ايضا اشياء كثيرة لم يمكنهم بيعها من الأسرة والصناديق والبنيات وغير ذلك