@ 183 @
بالوادي علموا أنهم جاهلون فأتوهم وقاتلوهم وأما المملوك فإنه نزل عن فرسه وجلس على صخرة واخذ قوسه بيده وحمى نفسه وجعلوا يرمونه بسهام الزنبورك وهو يرميهم فجرح منهم جماعة وجرحوه جراحات كثيرة فسقط فأتوه وهو بآخر رمق فتركوه وانصرفوا وهم يحسبونه ميتا ثم إن المسلمين جاؤوا من الغد إلى موضعهم فرأوا القتلى ورأوا المملوك حيا فحملوه في كساء وهو لا يكاد يعرف من الجراحات فأيسوا من حياته وأعرضوا عليه الشهادة وبشروه بالشهادة فتركوه ثم عادوا إليه فرأوه وقد قويت نفسه فأقبلوا عليه بمشروب فعوفي ثم كان بعد ذلك لا يحضر مشهدا إلا كان له فيه الأثر العظيم
$ ذكر مسير الفرنج إلى عكا وماصرتها $
لما كثر جمع الفرنج بصور على ما ذكرناه من صلاح الدين كان كلما فتح مدينة أو قلعة أعطى أهلها الأمان وسيرهم إليها بأموالهم ونسائهم وأولادهم فاجتمع بها منهم عالم كثير لا يعد ولا يحصى ومن الأموال ما لا يفنى على كثرة الإنفاق في السنين الكثيرة ثم إن الرهبان والقسس وخلقا كثيرا من مشهوريهم وفرسانهم لبسوا السواد وأظهروا الحزن على خروج البيت المقدس من أيديهم وأخذهم البطرك الذي كان بالقدس ودخل بهم بلاد الفرنج يطوفها بهم جميعا ويستنجدون أهلها ويستجيرون بهم ويحثونهم على الأخذ بثار البيت المقدس وصور والمسيح عليه السلام وجعلوا صورة رجل عربي والعربي يضربه وقد جعلوا الدماء على صورة المسيح عليه السلام وقالوا لهم هذا االمسيح يضربه محمد نبي المسلمين وقد جرحه وقتله فعظم ذلك على الفرنج فحشروا وحشدوا حتى النساء فإنهم كان معهم على عكا عدة من النساء يبارزون الأقران على ما نذكره إن شاء الله تعالى ومن لم يستطع الخروج استأجر من يخرج عوضه أو يعطيهم مالا على قدر حالهم فاجتمع لهم من الرجال والأموال ما لا يتطرق إليه الإحصاء
ولقد حدثني بعض المسلمين المقيمين بحصن الأكراد وهو من أجناد أصحابه الذين سلموه إلى الفرنج قديما وكان هذا الرجل قد ندم على ما كان منه من موافقة الفرنج في الغارة على بلاد الإسلام والقتال معهم والسعي معهم وكان سبب اجتماعي به ما أذكره سنة تسعين وخمسمائة إن شاء الله تعالى قال لي هذا الرجل إنه دخل مع