كتاب الكامل في التاريخ - العلمية (اسم الجزء: 10)

@ 186 @
جهدهم واستنفاد وسعهم في استئصالهم فتقدموا على تعبيتهم فرأوا الفرنج حذرين محتاطين قد ندموا على ما فرطوا فيه بالامس وهم قد حفظوا أطرافهم ونواحيهم وشرعوا في حفر خندق يمنع من الوصل إليهم فألح المسلمون عليهم في القتال فلم يتقدم الفرنج اليهم ولا فارقوا مرابضهم فلما رأى المسلمون ذلك عادوا عنهم ثم إن جماعة من العرب بلغهم أن الفرنج تخرج من الناحية الأخرى إلى الاجتطاب وغيره من اشغالهم فكمنوا لهم في معاطف النهر ونواحيه سادس عشر شعبان فلما خرج جمع من الفرنج على عادتهم حملت عليهم العرب فقتلوهم عن آخرهم وغنموا ما كان معهم وحملوا الرؤوس الى صلاح الدين فأحسن إليهم وأعطاهم الخلع
$ ذكر الوقعة الكبرى على عكا $
لما كان بعد هذه الوقعة المذكورة بقي المسلمون الى العشرين من شعبان كل يوم يغادون القتال مع الفرنج ويراوحونه والفرنج لا يظهرون من معسكرهم ولا يفارقونه ثم إن الفرنج اجتمعوا للمشورة فقالوا إن عسكر مصر لم يحضروا الحال مع صلاح الدين هكذا فكيف يكون إذا حضروا والرأي اننا نلقي المسلمين غدا لعلنا نظفر بهم قبل اجتماع العساكر والأمداد إليهم وكان كثير من عسكر صلاح الدين غائبا عنه بعضهم مقابل أنطاكية ليردوا غائلة البيمند صاحبها عن أعمال حلب وبعضهم في حمص مقابل طرابلس ليحفظ ذلك الثغر أيضا وعسكر في مقابل صور لحماية ذلك البلد وعسكر بمصر يكون بثغر دمياط والاسكندرية وغيرهما والذي بقي من عسكر مصر كانوا لم يصلوا لطول بيكارهم كما ذكرناه قبل وكان هذا مما أطمع الفرنج في الظهور إلى قتال المسلمين وأصبح المسلمون على عادتهم منهم من يتقدم إلى القتال ومنهم من هو في خيمته ومنهم من قد توجه في حاجته في زيارة صديق وتحصيل ما يحتاج إليه هو وأصحابه ودوابه الى غير ذلك فخرج الفرنج من معسكرهم كأنهم الجراد المنتشر يدبون على وجه الأرض قد ملؤوها طولا وعرضا وطلبوا ميمنة المسلمين وعليها تقي الدين عمر ابن أخي صلاح الدين فلما رأى أن الفرنج نحوه قاصدين حذر هو وأصحابه فتقدموا إليه فلما قربوا منه تأخر عنهم فلما رأى صلاح الدين الحال وهو في القلب أمد تقي الدين برجال من عنده ليتقوى بهم وكان عسكر ديار بكر وبعض الشرقيين في جناح القلب فلما رأى الفرنج قلة الرجال في القلب وأن كثيرا منهم قد ساروا نحو

الصفحة 186