كتاب الكامل في التاريخ - العلمية (اسم الجزء: 10)

@ 194 @
حتى عبروا خليج القسطنطينية وساروا على أرض بلاد الإسلام وهي مملكة الملك قلج أرسلان بن مسعود بن قلج أرسلان بن قلمش بن سلجق فلما وصلوا إلى أوائلها ثار بهم التركمان الأرج فما زالو يسايرونهم ويقتلون من انفرد ويسرقن ما قدروا عليه وكان الزمان شتاء والبرد يكون في تلك البلاد شديدا والثلج متراكما فأهلكهم البرد والجوع والتركمان فقل عددهم فلما قاربوا مدينة قونية خرج إليهم الملك قطب الدين ملك شاه بن قلج أسلان ليمنعهم فلم يكن له بهم قوة فعاد إلى قونية وبها أبوه قد حجر ولده المذكور عليه وتفرق أولاده في بلاده وتغلب كل واحد منهم على ناحية منها فلما عاد عنهم قطب الدين أسرعوا السير في أثره فنازلوا قونية وأرسلوا إلى قلج أرسلان هدية وقالوا له ما قصدنا بلادك ولا أردناها وإنما قصدنا البيت المقدس وطلبوا منه أن يأذن لرعيته في إخراج ما يحتاجون إليه من قوت وغيره فأذن في ذلك فأتاهم ما يريدون فشبعوا وتزودوا وساروا ثم طلبوا من قطب الدين أن يأمر رعيته بالكف عنهم وأن يسلم إليهم جماعة من أمرائه رهائن وكان يخافهم فسلم إليهم نيفا وعشرين أميرا كان يكرههم فساروا بهم معهم ولو يمتنع اللصوص وغيرهم من قصدهم والتعرض إليهم فقبض ملك الألمان على من منعه من الأمراء وقيدهم فمنهم من هلك في أسره ومنهم من فدى نفسه وسار ملك الألمان حتى أتى بلاد الأرمن وصاحبها لافون بن اصطفانة بن ليون فأمدهم بالأقوات والعلوفات وحكمهم في بلاده وأظهر الطاعة لهم ثم ساروا نحو أنطاكية وكان في طريقهم نهر فنزلوا عنده ودخل ملكهم إليه ليغتسل فغرق في مكان منه لا يبلغ الماء وسط الرجل وكفى الله شره
وكان معه ولد له فصار ملكا بعده وسار إلى أنطاكية فاختلف أصحابه عليه فأحب بعضهم العود إلى بلاده فتخلف عنه وبعضهم مال إلى تمليك أخ له فعاد أيضا وأسار فيمن صحت نيته له فعرضهم وكانوا نيفا وأربعين ألفا ووقع فيهم الوباء والموت فوصلوا إلى انطاكية وكأنهم قد نبشوا من القبور فتبرم بهم احبها وحسن لهم المسير إلى الفرنج على عكا فساروا على جبلة ولاذقية وغيرهما من البلاد التي ملكها المسلمون وخرج أهل حلب وغيرها إليهم وأخذوا منهم خلقا كثيرا ومات أكثر من أخذ فبلغوا طرابلس وأقاموا بها أياما فكثر فيهم الموت فلم يبق منهم إلا نحو ألف رجل فركبوا في البحر إلى الفرنج الذين على عكا ولما وصلوا ورأوا ما نالهم في طريقهم وما

الصفحة 194