كتاب الكامل في التاريخ - العلمية (اسم الجزء: 10)

@ 195 @
هم فيه من الاختلاف عادوا إلى بلادهم فغرقت بهم المراكب ولم ينج منهم احد وكان الملك قلج أرسلان يكاتب صلاح الدين بأخبارهم ويعده أنه يمنعهم من العبور في بلاده فلما عبروا وخلفوها أرسل يتعذر بالعجز عنهم لأن أولاده حكموا عليه وحجروا عليه وتفرقوا عنه وخرجوا عن طاعته وأما صلاح الدين عند وصول الخبر بعبور ملك الألمان فإنه استشار أصحابه فأشار كثير منهم عليه بالمسير الى طريقهم ومحاربتهم قبل أن يتصلوا بمن على عكا فقال بل نقيم إلى أن يقربوا منا وحينئذ نفعل ذلك لئلا يستسلم من بعكا من عساكرنا لكنه سير من عنده من العساكر منها عسكر حلب وجبلة ولاذقية وشيرز وغير ذلك إلى أعمال حلب ليكونوا من أطراف البلاد يحفظونها من عاديتهم وكان حال المسلمين كما قال الله عز وجل { إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا } فكفى الله شرهم ورد كيدهم في نحرهم ومن شدة خوفهم أن بعض أمراء صلاح الدين كان له ببلد الموصل قرية وكان أخي رحمه الله يتولاها فحصل دخلها من حنطة وشعير وتبن فأرسل إليه في ربيع الغلة فوصل كتابه يقول لا تبع الحبة الفرد واستكثر لنا من التبن ثم بعد ذلك وصل كتابه يقول تبيع الطعام فما بنا حاجة اليه ثم إن ذلك الأمير قدم الموصل فسألناه عن المنع من بيع الغلة ثم الإذن فيها بعد مدة يسيرة فقال لما وصلت الأخبار بوصول ملك الألمان أيقنا أننا ليس لنا بالشام مقام فكتبت بالمنع من بيع الغلة لتكون ذخيرة لنا إذا جئنا اليكم فلما أهلكهم الله تعالى وأغنى عنها كتبت ببيعها والانتفاع بثمنها
$ ذكر وقعة للمسلمين والفرنج على عكا $
وفي هذه السنة في العشرين من جمادى الآخرة خرجت الفرنج فارسها وراجلها من وراء خنادقهم وتقدموا إلى المسلمين وهم كثير لا يحصى عددهم وقصدوا نحو عسكر مصر ومقدمهم الملك العادل أبو بكر بن أيوب وكان المصريون قد ركبوا واصطفوا للقاء الفرنج فالتقوا واقتتلوا قتالا شديدا فانجاز المصريون عنهم ودخل الفرنج خيامهم ونهبوا أموالهم فعطف المصريون عليهم فقاتلوهم من وسط خيامهم فأخرجوهم عنها وتوجهت طائفة من المصريين نحو خنادق الفرنج فقطعوا المدد عن اصحابهم الذين خرجوا وكانوا متصلين كالنمل فلما انقطعت امدادهم ألقوا

الصفحة 195