@ 218 @
ذكر الهدنة مع الفرنج وعود صلاح الدين الى دمشق $
في العشرين من شعبان من هذه السنة عقدت بين المسلمين والفرنج هدنة لمدة ثلاث سنين وثمانية اشهر اولها هذا التاريخ وافق أول أيلول وسبب الصلح أن ملك إنلكتار لما رأى اجتماع العساكر وانه لا يمكنه مفارقة ساحل البحر وليس بالساحل للمسلمين بلد يطمع فيه قد طالت غيبته عن بلاده وأرسل صلاح الدين في الصلح وأظهر من ذلك ضد ما كان يظهره أولا فلم يجبه صلاح الدين إلى ما طلب ظنا منه أنه يفعل ذلك خديعة ومكرا وأرسل يطلب منه المصاف والحرب فأعاد الفرنجي رسله مرة بعد مرة وترك تتمة عمارة عسقلان وعن غزة والداروم والرملة وأرسل إلى الملك العادل في تقرير هذه القاعدة فأشار هو وجماعة الأمراء بالإجابة إلى الصلح وعرفوه ما عند العسكر من الضجر والملل وما قد هلك من أسلحتهم ودوابهم ونفد من نفقاتهم وقالوا إن هذا الفرنجي إنما طلب الصلح ليركب البحر ويعود إلى بلاده فإن تأخرت إجابته إلى ان يجيء الشتاء وينقطع الركوب في البحر نحتاج نبقى ههنا سنة أخرى وحينئذ يعظم الضرر على المسلمين وأكثروا القول له في هذا المعنى فأجاب حينئذ إلى الصلح فحضر رسل الفرنج وعقدوا الهدنة وتحالفوا على هذه القاعدة وكان في جملة من حضر عند صلاح الدين باليان بن بارزان الذي كان صاحب الرملة ونابلس فلما حلف صلاح الدين قال له ما عمل أحد في الإسلام ما عملت ولا هلك من الفرنج مثل ما هلك منهم هذه المدة فإننا احصينا من خرج إلينا في البحر من المقاتلة فكانوا ستمائة ألف رجل ما عاد منهم إلى بلادهم من كل عشرة واحد بعضهم قتلتهم أنت وبعضهم مات وبعضهم غرق ولما انفصل أمر الهدنة أذن صلاح الدين للفرنج في زيارة بيت المقدس فزاروه وتفرقوا وعادت كل طائفة إلى بلادها وأقام بالساحل الشامي ملكا على الفرنج والبلاد الي بأيديهم الكندهري وكان خير الطبع قليل الشر رفيقا بالمسلمين محبا لهم وتزوج بالملكة التي كانت تملك بلاد الفرنج قبل أن يملكها صلاح الدين كما ذكرناه وأما صلاح الدين فإنه بعد تمام الهدنة سار إلى البيت المقدس وأمر بإحكام سوره وعمل المدرسة والرباط والبيمارستان وغير ذلك من مصالح المسلمين ووقف عليها الوقوف وصام رمضان بالقدس وعزم على الحج والإحرام منه فلم يمكنه ذلك فسار عنه خامس شوال نحو دمشق واستناب بالقدس أميرا اسمه جورديك وهو من المماليك النورية ولما سار عنه جعل طريقه على الثغور