كتاب الكامل في التاريخ - العلمية (اسم الجزء: 10)

@ 346 @
فخرج منه الجزيرة وقصد الموصل وأظهر أنه غازي بن سنجر فلما سمع نور اليد بقربه منها أرسل نفقة وثيابا وخيلا وأمره بالعود وقال إن أباك يتجنى لنا الذنوب التي لم نعلمها ويقبح ذكرنا فإذا صرت عندنا جعل ذلك ذريعة للشناعات والبشاعات ونفع معه في صدام لا ينادى وليده فسار إلى الشام
وأما غازي بن سنجر فإنه تسلف إلى دار أبيه واختفى عند بعض سراريه وعلم به أكثر من بالدار فسترت عليه بغضا لأبيه وتوقعا للخلاص منه لشدته عليهن فبقي كذلك وترك أبوه الطلب له ظنا منه أنه بالشام فاتفق أن أباه في بعض الأيام شرب الخمر بظاهر البلد مع ندمائه فكان يقترح على المغنين أن يغنوا في الفراق وما شاكل ذلك ويبكي ويظهر في قوله قرب الأجل ودنو الموت وزوال ما هو فيه فلم يزل كذلك إلى آخر النهار وعاد إلى داره وسكر عند بعض حظاياه ففي الليل دخل الخلاء وكان ابنه عند تلك الحظية فدخل اليه فضربه بالسكين أربع عشرة ضربة ثم ذبحه وتركه ملقى ودخل الحمام وقعد يلعب مع الجواري فلو فتح باب الدار وأحضر الجند واستحلفهم لملك البلد لكنه أمن واطمأن ولم يشك في الملك فاتفق أن بعض الخدم الصغار خرج إلى الباب وأعلم أستاذ دار سنجر الخبر فأحضر أعيان الدولة وعرفهم ذلك وأغلق الابواب على غازي واستحلف الناس لمحمود بن سنجر شاه وأرسل إليه أحضره من فرح ومعه أخوه مودود فلما حلف الناس وسكنوا فتحوا باب الدار على غازي ودخلوا عليه ليأخذوه فمانعهم عن نفسه فقتلوه وألقوه على باب الدار فأكلت الكلاب بعض لحمه ثم دفن باقيه ووصل محمود إلى البلد وملكه ولقب بمعز الدين لقب أبيه فلما استقر أخذ كثيرا من الجواري اللواتي لأبيه فغرقهن في دجلة
ولقد حدثني صديق لنا أنه رأى بدجلة في مقدار غلوة سهم سبع جواري مغرقات منهن ثلاث قد أحرقت وجوههن بالنار فلم أعلم سبب ذلك الحريق حتى حدثتني جارية اشتريتها بالموصل من جواريه أن محمودا كان يأخذ الجارية فيجعل وجهها في النار فإذا احترقت ألقاها في دلجة وباع من لم يغرقه منهن فتفرق أهل تلك الدار أيدي سبا وكان سنجرشاه قبيح السيرة ظالما غاشما كثير المخاتلة والمواربة والنظر في دقيق الأمور وجليلها لا يمتنع من قبيح يفعله مع رعيته وغيرهم من أخذ الأموال والأملاك والقتل والاهانة وسلك معهم طريقا وعرا من قطع الألسنة والأنوف والآذان

الصفحة 346