@ 49 @
لما سار نور الدين إلى بلاده قد سار من طرقها التي تلي الشام إلى وسطها وراسل نور الدين يستعطفه ويسأله الصلح فتوقف نور الدين عن قصده رجاء أن ينصلح الأمر بغير حرب فأتاه عن الفرنج ما أزعجه فأجابه إلى الصلح وشرط عليه أن ينجده بعساكر إلى الغزاة وقال له أنت مجاور الروم ولا تغزوهم وبيدك قطعة كبيرة من بلاد الإسلام ولا بد من الغزاة معي فأجابه إلى ذلك وتبقى سيواس على حالها بيد نواب نور الدين وهي لذي النون فبقي العسكر في خدمة ذي النون إلى أن مات نور الدين فلما مات رحل عسكره عنها وعاد قلج أرسلان وملكها وهي بيد أولاده إلى الآن سنة نيف وعشرين وستمائة ولما كان نور الدين في هذه السفرة جاءه رسول كمال الدين أبي الفضل محمد بن عبد الله الشهرزوري من بغداد ومعه منشور من الخليفة بالموصل والجزيرة وبإربل وخلاط والشام وبلاد قلج أرسلان وديار مصر
$ ذكر رحيل صلاح الدين من مصر إلى الكرك وعوده عنها $
في هذه السنة في شوال رحل صلاح الدين يوسف بن أيوب من مصر بعساكرها جميعها إلى بلاد الفرنج يريد حصر الكرك والاجتماع مع نور الدين عليه والاتفاق على قصد بلاد الفرنج من جهتين كل واحد منهما في جهة بعسكره وسبب ذلك أن نور الدين لما أنكر على صلاح الدين عوده من بلاد الفرنج في العام الماضي وأراد نور الدين قصد مصر وأخذها منه أرسل يعتذر ويعد من نفسه بالحركة على ما يقرره نور الدين فاستقرت القاعدة بينهما أن صلاح الدين يخرج من مصر ويسير نور الدين من دمشق فأيهما سبق صاحبه يقيم إلى أن يصل الآخر إليه وتواعدا على يوم معلوم يكون وصولهما فيه فسار صلاح الدين عن مصر لأن طريقه أبعد وأشق ووصل إلى الكرك وحصوه وأما نور الدين فإنه لما وصل إليه كتاب صلاح الدين برحيله من مصر فرق الأموال وحصل الأزواد وما يحتاج إليه وسار إلى الكرك فوصل إلى الرقيم وبينه وبين الكرك مرحلتان فلما سمع صلاح الدين بقربه خافه هو وجميع أهله واتفق رأيهم على العود إلى مصر وترك الاجتماع بنور الدين لأنهم علموا أنه إن اجتمعا كان عزله على نور الدين سهلا فلما عاد أرسل الفقيه عيسى إلى نور الدين يعتذر عن رحيله بأنه قد استخلف أباه نجم الدين أيوب على ديار مصر وأنه مريض شديد المرض ويخاف أن يحدث حادث الموت فتخرج البلاد عن أيديهم وأرسل معه من