@ 56 @
الجزيرة ومصر يوم الاربعاء حادي عشر شوال بعلة الخوانيق ودفن بقلعة دمشق ونقل منها إلى المدرسة التي أنشأها بدمشق عند سوق الخواصين
ومن عجيب الإتفاق أنه ركب ثاني شوال وإلى جانبه بعض الأمراء الأخيار فقال له الأمير سبحان من يعلم هل نجتمع هنا في العام المقبل أم لا فقال نور الدين لا تقل هكذا بل سبحان من يعلم هل نجتمع بعد شهر أم لا فمات نور الدين رحمه الله بعد أحد عشر يوما ومات الأمير قبل الحول فأخذ كل منهما بما قاله وكان قد شرع يتجهز للدخول إلى مصر لأخذها من صلاح الدين يوسف بن أيوب فإنه رأى منه فتورا في غزو الفرنج من ناحيته وكان يعلم أنه إنما يمنع صلاح الدين من الغز والخوف منه ومن الاجتماع به فإنه يؤثر كون الفرنج في الطريق ليمتنع بهم على نور الدين فأرسل إلى الموصل وديار الجزيرة وديار بكر يطلب العساكر للغزاة وكان عزمه أن يتركها مع ابن أخيه سيف الدين غازي صاحب الموصل والشام ويسير هو بعساكره إلى مصر فبينما هو يتجهز لذلك أتاه أمر الله الذي لا مرد له
حكى لي طبيب كان يخدم نور الدين وهو من حذاق الأطباء قال استدعاني نور الدين في مرضه الذي توفي فيه مع غيري من الأطباء فدخلنا إليه وهو في بيت صغير بقلعة دمشق وقد تمكنت الخوانيق منه وقارب الهلاك فلا يكاد يسمع صوته وكان يخلو فيه للتعبد فابتدأ به المرض فلم ينتقل عنه فلما دخلنا ورأينا ما به قلت له كان ينبغي أن لا تؤخر إحضارنا إلى أن يشتد بك المرض الآن وينبغي أن تعجل الانتقال من هذا الموضع إلى مكان فسيح مضيء فله أثر في هذا المرض وشرعنا في علاجه وأشرنا بالقصد فقال ابن ستين لا يقتصد وامتنع منه فعالجناه بغيره فلم ينجع فيه الدواء وعظم الداء ومات رحمه الله ورضي عنه وكان أسمر طويل القامة ليس له لحية إلا في حنكه وكان واسع الجبهة حسن الصورة حلو العينين وكان قد اتسع ملكه جدا وخطب له بالحرمين الشريفين وباليمن لما دخلها شمس الدولة بن أيوب وملكها وكان مولده سنة إحدى عشرة وخمسمائة وطبق ذكره الأرض بحسن سيرته وعدله وقد طالعت سير الملوك المتقدمين فلم أر فيها بعد الخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز أحسن من سيرته ولا أكثر تحريا منه للعدل وقد أتينا على كثير من ذلك في كتاب الباهر من أخبار دولتهم ولنذكر ههنا نبذة لعل يقف عليها من له حكم فيقتدي به فمن ذلك زهده وعبادته وعلمه فإنه كان لا يأكل ولا يلبس ولا