@ 72 @
الصعاليك فأخذ عدة أكياس مملوءة دنانير وكان الأقوياء قد وقفوا على الباب يأخذون ما يخرج به الناس فلما أخذ ذلك الصعلوك الأكياس قصد المطبخ فأخذ منه قدرا مملوءة طبيخا وألقى الأكياس فيها وحملها على رأسه والناس يصحكون منه فيقول أنا أريد شيئا أطعمه عيالي اليوم فنجا بما معه فاستغنى بعد ذلك فظهر المال ولم يبق من نعمة قطب الدين في ساعة واحدة قليل ولا كثير ولما خرج من البلد تبعه تنامش وجماعة من الأمراء فنهبت دورهم أيضا وأخذت أموالهم وأحرق أكثرها وسار قطب الدين إلى الحلة ومعه الأمراء فسير الخليفة إليه صدر الدين عبد االرحيم شيخ الشيوخ فلم يزل به يخدعه حتى سار عن الحلة إلى الموصل على البر فلحقه ومن معه عطش عظيم فهلك أكثرهم من شدة الحر والعطش ومات قطب الدين قبل وصوله إلى الموصل فحمل ودفن بظاهر باب العمادي وقبره مشهور هناك
وهذا عاقبة عصيان الخليفة وكفران الإحسان والظلم وسوء التدبير فإنه ظلم أهل العراق وكفر إحسان الخليفة الذي كان قد غمره ولو أقام بالحلة وجمع العساكر وعاود بغداد لاستولى على الأمور كلها كما كان فإن عامة بغداد كانوا يريدونه وكان قويا بالإحسان على البلاد فأطاعوه ولما مات في ذي الحجة وصل علاء الدين تنامش إلى الموصل فأقام مديدة ثم أمره الخليفة بالقدوم إلى بغداد فعاد إليها وبقي بها إلى أن مات بغير إقطاع وكان هذا آخر أمرهم ولما أقام قطب الدين بالحلة امتنع الحاج من السفر فتأخروا إلى أن رحل عنها فدخلوا من الكوفة في ثمانية عشر يوما وهذا ما لم يسمع بمثله وفات كثيرا منهم الحج ولما هرب قطب الدين خلع الخليفة على عضد الدين الوزير وأعيد إلى الوزارة
قال بعض الشعراء في قطب الدين وتنامش هذه الأبيات
( إن كنت معتبرا بملك زائل ... وحوادث عنقية الإدلاج )
( فدع العجائب والتواريخ الأولى ... وانظر إلى قيماز وابن قماج )
( عطف الزمان عليهما فسقاهما ... من كأسه صرفا بغير مزاج )
( فتبدلوا بعد القصور وظلها ... ونعيمها بمهامة وفجاج )
( فليحذر الباقون من أمثالها ... نكبات دهر خائن مزعاج )
وكان قطب الدين كريما طلق الوجه محبا للعدل والإحسان كثير البذل للمال