@ 96 @
فهان الموت في عيني فألقيت نفسي إليه وكان ذلك سبب الظفر ثم عاد صلاح الدين إلى بانياس من موضع المعركة وتجخز للدخول الى ذلك الحصن ومحاصرته فسار اليه في ربيع الأول وأحاط به وقوى طمعه بالهزيمة المذكورة في فتحه وبث العساكر في بلد الفرنج للإغارة ففعلوا ذلك وجمعوا من الأخشاب والزرحون شيئا كثيرا ليجعله متارس للمنجنيقات فقال له جاولي الأسدي وهو مقدم الأسدية ومن أكابر الأمر الرأى أننا نجربهم بالزحف أول مرة ونذوق قتال من به وننظر الحال معهم فإن استضعفناهم وإلا فنصب المنجنيقات ما يفوت فقبل رأيه وأمر فنودي بالزحف إليه والجد في قتاله فزحفوا واشتد القتال وعظم الأمر فصعد إنسان من العامة بقميص خلق في باشورة الحصن وقاتل على السور لما علاه وتبعه غيره من أضرابه ولحق بهم الجند فملكوا الباشورة فصعد الفرنج حينئذ منها لإلى أسوار الحصن ليحموا نفوسهم وحصنهم إلى أن يأتيهم المدد وكان الفرنج قد جمعوا بطبرية فألح المسلمون في قتال الحصن خوفا من وصول الفرنج إليهم وإزاحتهم عنه وأدركهم الليل فأمر صلاح الدين بالمبيت بالباشورة النيران فيه وانتظروا سقوط السور فلم يسقط لعرضه فإنه كان تسعة أذرع بالنجاري يكون الذراع ذراعا ونصفا فانتظروه يومين فلم يسقط فأمر صلاح الدين بإطفاء النار التي في النقب فحمل الماء وألقى عليها فطفئت وعاد النقابون فنقبوا وخرقوا السور وألقوا فيه النار فسقط يوم الخميس لست بقين من ربيع الأول ودخل المسلمون الحصن عنوة وأسروا كل من فيه وأطلقوا من كان به من أسارى المسلمين وقتل صلاح الدين كثيرا من أسرى الفرنج وأدخل الباقين إلى دمشق فسجنوا وأقام صلاح الدين بمكانه حتى هدم الحصن وعفى أثره وألحقه بالأرض وكان قد بذل للفرنج ستين ألف دينار مصرية ليهدموه بغير قتل فلم يفعلوا ظنا منهم أنه إذا بقي بناؤه تمكنوا به من كثير من بلاد الإسلام وأما الفرنج فاجتمعوا بطبرية ليحموا الحصن فلما أتاهم الخبر بأخذه فت في أعضادهم فتفرقوا إلى بلادهم وأكثر الشعراء فيه فمن ذلك قول صديقنا النشو بن نفاذة رحمه الله
( هلاك الفرنج أتى عاجلا ... وقد آن تكسير صلبانها )
( ولو لم يكن قد دنا حتفها ... لما عمرت بيت أحزانها )