كتاب موسوعة مواقف السلف في العقيدة والمنهج والتربية (اسم الجزء: 10)

كبار أئمتهم، من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الأئمة المجتهدين وغيرهم، فإننا نعلم يقينا أن هؤلاء الأجلة كان يخطئ بعضهم بعضا، ويرد بعضهم على بعض، أفيقول عاقل: إن بعضهم كان يطعن في بعض، بل لقد صح أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطأ أبا بكر رضي الله عنه في تأويله لرؤيا كان رآها رجل، فقال - صلى الله عليه وسلم - له: «أصبت بعضا وأخطأت بعضا» (¬1)، فهل طعن - صلى الله عليه وسلم - في أبي بكر بهذه الكلمة؟.
ومن عجيب تأثير هذا الوهم على أصحابه، أنه يصدهم عن اتباع السنة المخالفة لمذهبهم، لأن اتباعهم إياها معناه عندهم الطعن في الإمام، وأما اتباعهم إياه -ولو في خلاف السنة- فمعناه احترامه وتعظيمه، ولذلك فهم يصرون على تقليده فرارا من الطعن الموهوم.
ولقد نسي هؤلاء -ولا أقول: تناسوا- أنهم بسبب هذا الوهم وقعوا فيما هو شر مما منه فروا، فإنه لو قال لهم قائل: إذا كان الاتباع يدل على احترام المتبوع، ومخالفته تدل على الطعن فيه، فكيف أجزتم لأنفسكم مخالفة سنة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وترك اتباعها إلى اتباع إمام المذهب في خلاف السنة، وهو غير معصوم، والطعن فيه ليس كفرا؟ فلئن كان عندكم مخالفة الإمام تعتبر طعنا فيه، فمخالفة الرسول - صلى الله عليه وسلم - أظهر في كونها طعنا فيه، بل ذلك هو الكفر بعينه -والعياذ بالله منه- لو قال لهم ذلك قائل، لم يستطيعوا عليه جوابا، اللهم،
¬_________
(¬1) أخرجه: أحمد (1/ 236) والبخاري (12/ 534/7046) ومسلم (4/ 1777 - 1778/ 2269) وأبو داود (3/ 578 - 579/ 3268) والترمذي (4/ 470 - 471/ 2293) وقال: "هذا حديث حسن صحيح". وابن ماجه (2/ 1289 - 1290/ 3918). كلهم من طريق ابن شهاب أن عبيد الله بن عبد الله أخبره أن ابن عباس رضي الله عنهما كان يحدث أن رجلا أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكره.

الصفحة 372