كتاب التوضيح لشرح الجامع الصحيح (اسم الجزء: 10)

الإسلام إذا بلغ.
وقال آخرون: الفطرة هنا: الإسلام، وهو المعروف عند السلف من أهل العلم بالتأويل، فإنهم أجمعوا في قوله تعالى: {فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} [الروم: 30]. قالوا: هي دين الإسلام، واحتجوا بقول أبي هريرة اقرءوا إن شئتم: {فِطْرَتَ اللهِ} الآية. وبحديث عياض السالف. وبقوله - صلى الله عليه وسلم -: "خمس من الفطرة" فذكر قص الشارب والاختتان وذلك من سنن الإسلام، وإليه ذهب أبو هريرة وعكرمة والحسن وإبراهيم والضحاك وقتادة والزهري، وعلى هذا معنى قوله: "بهيمة جمعاء" يقول: خلق الطفل سليمًا من الكفر مؤمنًا مسلمًا على الميثاق الذي أخذ على الذرية {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} [الأعراف: 172] قَالَ: ويستحيل أن يكون على الفطرة هنا الإسلام؛ لأن الإسلام والإيمان: قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح، وهذا معدوم في الطفل.
وقال آخرون: معنى الفطرة هنا: البداءة التي ابتدأهم عليها أي: على ما فطر الله تعالى عليه خلقه من أنه ابتدأهم للمحيا والموت والسعادة والشقاوة، وإلى ما يصيرون إليه عند البلوغ من [ميولهم عن] (¬1) آبائهم واعتقادهم، وذلك ما فطرهم عليه مما لا بد من مصيرهم إليه، وكأنه قَالَ: كل مولود يولد على ما ابتدأه الله عليه. واحتجوا بما رواه مجاهد، عن ابن عباس قَالَ: لم أدر ما {فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ} [فاطر: 1] حَتَّى أتى أعرابيان يختصمان في بئر، فقَالَ: أحدهما أنا فطرتها أي: ابتدأتها (¬2).
¬__________
(¬1) زيادة يقتضيها السياق، أثبتناها من "التمهيد" 6/ 360.
(¬2) رواه الطبري في "تفسيره" 5/ 158 (13114)، والبيهقي في "شعب الإيمان" 2/ 258 (1682) باب: في طلب العلم، وابن عبد البر في "التمهيد" 6/ 360.

الصفحة 106