كتاب التوضيح لشرح الجامع الصحيح (اسم الجزء: 10)

المهل بالضم: الصديد (¬1)، والمهل أيضًا: عكر الزيت الأسود. وقال ابن دريد في هذا الحديث: إنها صديد الميت، زعموا أن المهلة ضرب من القطران، والمهل: ما يتحات من الخبزة من رماد أو غيره (¬2). وقال أبو عبيدة: قوله: الحي أحوج إلى الجديد من الميت. خلاف من يقول: إنهم يتزاورون في أكفانهم فيجب تحسينها، ألا ترى أنه يقول: فإنما هما للمهلة؟ ويشهد لذلك قول حذيفة حين أتى بكفنه ربطتين، قَالَ: لا تغالوا في الكفن؛ الحي أحوج إلى الجديد من الميت، إني لا ألبث إلا يسيرًا حَتَّى أبدل منهما خيرًا منهما أو شرًّا منهما (¬3). ومنه قول ابن الحنفية: ليس للميت من الكفن شيء، إنما هو تكرمة للحي. وأما من خالف هذا فرأى تحسين الأكفان، فروي عن عمر أنه قَالَ: أحسنوا أكفان موتاكم، فإنهم يبعثون فيها يوم القيامة. وعن معاذ بن جبل مثله.
قلتُ: وأُوِّل الكفن بالعمل؛ لأنه يبلى. وأوصى ابن مسعود أن يكفن في حلة بمائتي درهم (¬4). وفي "صحيح مسلم" من حديث جابر مرفوعًا: "إذا كفَّنَ أحدُكُم أخاهُ فليُحْسِن كَفَنَه" (¬5) وهو من أفراده. قَالَ ابن المنذر: وبحديث جابر قَالَ الحسن وابن سيرين، وكان إسحاق يقول: يغالي في الكفن إذا كان موسرًا، وإن كان فقيرًا فلا يغالِ به (¬6).
¬__________
(¬1) "غريب الحديث" 2/ 7 - 8.
(¬2) "جمهرة اللغة" 2/ 988، وانظر: "الصحاح" 5/ 1822، و"لسان العرب" 7/ 4288 - 4289.
(¬3) رواه عبد الرزاق 3/ 432 (6210) كتاب: الجنائز، باب: ذكر الكفن والفساطيط.
(¬4) رواه ابن أبي شيبة 2/ 468 - 469 كتاب: الجنائز، باب: ما قالوا في تحسين الكفن، وورى عنهم ذلك أيضًا ابن المنذر في "الأوسط" 5/ 359.
(¬5) "صحيح مسلم" (943) كتاب: الجنائز، باب: في تحسين كفن الميت.
(¬6) "الأوسط" 5/ 358 - 359.

الصفحة 183