كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 23)
"""""" صفحة رقم 114 """"""
قسطنطينية . وكان نقفور هذا شديداً على المسلمين ، وهو الذي فتح طرسوس والمصيصة وأذنه وعين زربة وغيرها ، ولم يكن نصراني الأصل وإنما هو من ولد رجل مسلم من أهل طرسوس يعرف بابن الفقاس تنصر وكان ابنه هذا شهماً شجاعاً حسن التدبير لما يتولاه . فلما عظم أمره وصار دمستقاً قتل الملك الذي كان قبله وملك الروم بعده . وتزوج امرأة الملك المقتول على كرهٍ منها وكان لها ابنان من الملك ، فعزم على أن يخصيهما ليقطع نسلهما ويبقى الملك فيه وفي ذريته . فلما علمت أمهما ذلك احتالت في قتله ، فأرسلت إليه ابن الشمشقيق - وهو الدمستق حينئذ - ووافقته على أن يسير إليها في زي النساء ومعه جماعة وقالت لزوجها : إن نسوة من أهلها قد زرنها فلما سار إليها وهو ومن معه جعلتهم في بيعة تتصل بدار الملك . فلما كان في ليلة الميلاد نام نقفور واستثقل في نومه ، ففتحت امرأته الباب وأدخلتهم إليه فقتلوه ، وثار بهم جماعة من خاصته وأهله فقتل منهم نيف وسبعون رجلاً ، وأجلس في الملك الأكبر من ولدي الملك المقتول ، وصار المدبر له ابن الشمشقيق ، ويقال : إن نقفور ما بات قط بغير سلاح إلا في تلك الليلة التي قتل فيها .
ذكر الفتنة ببغداد ومصادرة الخليفة المطيع لله
وفي سنة إحدى وستين وثلاثمائة وقعت ببغداد فتنة عظيمة ، وكان سببها أن الروم استطالوا على أهل بلاد الجزيرة وامتدوا في البلاد وعظم أمرهم وقويت شوكتهم ، فسار جماعة من أهل تلك البلاد إلى بغداد مستنفرين ، وقاموا في المساجد والمشاهد واستنفروا المسلمين وذكروا ما فعله الروم من النهب والأسر والسبي . فاستعظمه الناس واجتمع أهل بغداد وقصدوا دار الخليفة ، وأرادوا أن يهجموا عليه فمنعوا وأغلقت الأبواب فأسمعوه القبيح ، ثم تجمعوا وثاروا في البلد ، ونهبت الأموال وقتلت الرجال ، وأحرقت الدور ، وفي جملة ما أحرق محلة الكرخ وكانت معدن التجار والشيعة .
فأنفذ عز الدولة بختيار إلى الطيع لله يطلب منه مالا يخرجه على الغزاة فقال المطيع : إن النفقة على الغزاة وغيرها من مصالح المسلمين تلزمني إذا كانت الدنيا في يدي والأموال تجبى إلي ، وأما إذا كانت حالي هذه فلا يلزمني شيء من ذلك ، وإنما يلزم من البلاد في يده وأنا ليس لي إلا الخطبة ، فإن شئتم أن أعتزل فعلت