كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 23)

"""""" صفحة رقم 132 """"""
عفوت وأنت صاحب طيلسان ، وركتب الأفعال الشنيعة مع حرمي وأطفالي ، فكيف أعفوا أنا وأنا صاحب السيف ؟ وأمر به فحبس إلى آخر ذي الحجة ، ثم أخرجه من محبسه مقيداً وعليه جبة صوف وطرطور من لبد أحمر وفي رقبته - مخنقة جلد بعير وهو يقرأ قل الله مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء الآية . . . وطيف به محال بغداد وهو على جمل وراءه من يصفعه .
فلما اجتاز بالكرخ بصق أهل الكرخ في وجهه لأنه كان يتعصب عليهم وجيء به إلى البساسيري وقد نصبت له خشبة فأنزل من على الجمل وألبس جلد ثور قد سلخ في ذلك اليوم ، وجعلت قرونه على رأسه وعلق بكلو بين من حديد ، فلم يزل يضطرب إلى آخر النهار ومات ، فقال بعض الشعراء في هذه الواقعة :
أقبلت الرايات مبيضة . . . يقدمهن الأسد الباسل
وولت السوداء منكوسة . . . ليس لها من ذلة سائل
انطر إلى الباغي على جدعه . . . والدم من أوداجه سائل
يعني رئيس الرؤساء ، قال : ودخل البساسيري داره ونهب ما فيها وشهر حرمه وأمر بنقض داره وقال عند ذلك : فواحدة بواحدة جزاءُ قال : وكان رئيس الرؤساء حسن التلاوة جيد المعرفة بالنحو .
وقتل البساسيري عميد العراق وكان فيه شجاعة وله فتوة ، وهو الذي بنى رباط شيخ الشيوخ . وأما الخليفة فإن قريشاً نقله إلى معسكره راكباً وعليه السوادُ والبردة وبيده السيف وعلى رأسه اللواء وأنزله في خيمه ، وأخذ أرسلان خاتون ابنة أخي السلطان طغرلبك فسلمها إلى أبي عبد الله بن جردة ليقوم بخدمتها .
ونهبت دار الخلافة وحريمها أياماً ، ثم سلم قريش الخليفة إلى ابن عمه مهارش بن المجليى وهو رجل فيه دين وله مروءة فحمله في هودج وسار به إلى حديثة عانة فنزل بها ، و لما وصل إلى الأنبار شكا البرد ، فأنفذ إلى مقدمها يطلب منه شيئاً يلبسه فأرسل إليه جبة فيها قطن ولحافاً .

الصفحة 132