كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 23)

"""""" صفحة رقم 138 """"""
كثير ولم يشعر ، فاستيقظ وقد ضعف وسقطت قوته . فأيقن بالموت وأحضر ولي عهده ووصاه وأحضر نقيب العباسيين ونقيب الطالبيين وقاضي القضاة وغيرهم مع الوزير ابن جهير وأشهدهم على نفسه أنه جعل ابن ابنه أبا القاسم ولي عهده .
ولما توفي غسله الشريف أبو جعفر بن أبي موسى الهاشمي ، وصل عليه المقتدي بأمر الله . ومات وله من العمر ست وسبعون سنة وثلاثة أشهر وخمسة أيام ، ومدة خلافته أربع وأربعون سنة وثمانية أشهر إلا أياماً . وقيل هذا يكون عمره ستاً وسبعين سنة وتسعة أشهر وخمسة أيام .
وكان جميلاً أبيض مشرباً بحمرة ، حسن الوجه والجسم ، ورعا ديناً زاهداً قوي اليقين بالله تعالى ، وله عناية بالأدب ومعرفة حسنةٌ بالكتابة ، ولم يكن يرضى عن أكثر ما يكتب من الديوان ويُصلح أشياء منه . وكان مؤثراً للعدل والإحسان ؛ مريداً لقضاء حوائج الناس ؛ لا يرى أن يمنع ما يطلب منه ، حُكي عن محمد بن علي بن عامر الوكيل قال : " دخلتُ يوماً إلى المخزن فلم يبقَ أحدٌ إلا وأعطاني قصةً فامتلأت أكمامي فقلت في نفسي لو كان الخليفة أخي لأَعرض عن هذه كلها فألقيتها في البِرْكة والقائم ينظر ولا أشعر ، فلما دخلت عليه أمر الخدم بإخراج الرِّقاع من البِركة فأُخرجت ووقف عليها ، ووقّع بأغراض أصحابها ثم قال لي : يا عامي ما حملك على هذا ؟ فقلت : خوف الضجر منها فقال : لا تعود إلى مثلها فإنا ما أعطيناهم من أموالنا شيئاً .
ومما يُحكى من جملة كرمه أن أحد السلاطين في أيامه سأله أن يتقدّم باعتقال وزرائه وذكر أنهم استولوا على أمواله فخرج توقيعه " ليست دارنا دار حبْسٍ وسجنٍ بل هي دار طُمأنينة وأمن " وكان له شعر رائق فمنه قوله :
قالوا : الرحيل ، فأنشبت أظفارها . . . في خدّها وقد اعتقلن خِضابا
واخضرّ تحت بَنانها فكأنما . . . غَرست بأرض بنفسجٍ عِنّابا
وفي أيامه أسلم من كفار الأتراك ألف خركاه وضَحّوا بثلاثين ألفَ رأسٍ من الغنم وقيل : أكثر من ذلك .

الصفحة 138