كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 23)

"""""" صفحة رقم 151 """"""
وكان المستظهر بالله - رحمه الله - لَيِّن الجانب كريم الأخلاق مشكور السعي ، يحب اصطناع المعروف وفِعْل الخير ويسارع إلى أعمال البرّ والمثوبات ، لا يردّ مكرمة تُطلب منه . وكان كثير الوثوق بمن يُولِّيه ، غير مصغٍ إلى سعاية ساعٍ ولا راجعٍ إلى قوله . وكانت أيامه أيام سرور للرعية ، وكان يسره ذلك ، وكان حسن الحظ جيّد التوقيعات . ولما توفي صلى عليه ابنه المسترشد بالله ، كبّر أربعاً ، ودُفن في حجرة له كان يألفها .
أولاده : أبو منصور الفضل المسترشد ، وأبو عبد الله محمد المقتفي ، وأبو طالب ، وأبو الحسن . وكان له من الوزراء مَنْ قدّمنا ذِكرهم في أخباره ، ومضى في أيامه ثلاثة سلاطين خطب لهم بالحضْرة وهم : تاج الدولة تتش بن ألب أرسلان ، وبركيارق ومحمد بن ملكشاه . ومن عجب الاتفاق أنه لما توفي السلطان ألب أرسلان توفي معه القائم بأمر الله ، ولما توفي السلطان ملكشاة توفي بعده المقتدي بأمر الله ، ولما توفي السلطان محمد توفي بعده الخليفة المستظهر بالله .
ذكر خلافة المسترشد بالله
هو أبو منصور الفضل بن المستظهر بالله أبي العباس أحمد ، وهو الخليفة التاسع والعشرون من الخلفاء العباسيين ، بويع له بالخلافة بعد وفاة أبيه في سادس عشر شهر ربيع الآخر سنة اثنتي عشرة وخمسمائة . وكان وليّ عهد أبيه الخليفة المستظهر وخُطِب له في خلافة أبيه ثلاثاً وعشرين سنة .
قال : وبايعه أخَزاه أبو عبد الله محمد - وهو المقتفي لأمر الله - وأبو طالب العباسي ، وعمومته بنو المقتدي بأمر الله ، وغيرُهم من الأمراء والقضاة والأئمة والأعيان . وكان المتولي لأخْذ البيعة القاضي أبو الحسن الدامغاني - وكان نائباً عن الوزارة - فأقر المسترشد عليها ، ثم عزله واستوزر أبا شجاع محمد بن الربيب أبي منصور وزير السلطان محمود .
ذكر هرب أبي الحسن أخي المسترشد بالله وعوده
قال : ولما اشتغل الناس ببيعة المسترشد ركب أخوه الأمير أبو الحسن بن المستظهر بالله سفينةً ومعه ثلاثة نفرٍ وانحدروا إلى المدائن ، وسار منها إلى دُبيس بن صَبدَقة بالحلة فأكرمه دُبيس ورتّب له الإقامات الكثيرة . فلما علم المسترشد بالله خبره

الصفحة 151