كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 23)

"""""" صفحة رقم 152 """"""
أهمّه ذلك وأقلقه ، وأرسل إلى دبيس يطلب منه إعادته فأجاب " إنني عبد الخليفة وواقفٌ عند أمره وقد استذمّ بي ودخل منزلي ولا أكرِهه على أمرٍ أبداً " . وكان الرسول نقيب النقباء شرف الدين علي بن طرّاد الزيني ، فقصد الأمير أبا الحسن وتحدّث معه في العَوْد وضمن له كل ما يريد ، فأجاب إلى ذلك وقال : إنني لم أفارق خِدمة أخي لشرٍّ أريده ، وإنما الخوف حملني على ذلك ، فإذا أمّنني قصدته وتكفّل له دبيس إصلاح الحال والمسير معه إلى بغداد ، فعاد النقيب وأعلم الخليفة فأجاب إلى ما طلب ثم تأخّر بعد ذلك ولم يحضر وأقام عند دبيس إلى ثاني عشر صفر سنة ثلاث عشرة . وسارعن الحلة إلى واسط وكثر جمعه وقوي الإرجاف بأمره ، وملك مدينة واسط وخيف جانبه ، فتقدم الخليفة المسترشد بالله بالخطبة لولد أبي جعفر المنصور وجعله وليّ عهده وعمرُه اثنتا عشرة سنةً . فخطب له في ثاني شهر ربيع الأول ببغداد وكتب إلى البلاد بذلك ، وأرسل إلى دُبيس في معنى الأمير أبي الحسن وأنه الآن فارق جِواره ومدَّ يده إلى بلاد الخليفة وأمره بقصده ومُعاجَلته قبل فوْته . فأرسل دُبيس العساكر إليه ففارق واسط وقد تحيّر هو وأصحابه فضلوا الطريق ، وصادفتْهم عساكر دُبّيس فنهبوا أثقاله وهرب الأكراد من أصحابه والأتراك ، وعاد الباقون . وبقي الأمير أبو الحسن في عشرةٍ من أصحابه وهو عطشان وبينه وبين الماء خمسة فراسخ ، وكان الزمان قيظاً فأيقن بالتلف . وكان معه بدويان فأراد الهرب منهما فلم يقدر ، وأخذاه وقد اشتد به العطش فسقياه الماء وحملاه إلى دُبيس فسيره إلى بغداد وسلمه إلى الخليفة بعد أن بذل له عشرة آلاف دينار . وكان بين خروجه وعوده أحدَ عَشَر شهراً ، ولما دخل على المسترشد بالله قبّل وقدَمه وقبّله المسترشد وبكيا ، وأنزله في دار حسنة كان يسكنها قبل أن يلي الخلافة ، وحمل إليه الخَلَع والتحف وأمّنه .
وفيها نُقل الخليفة المسترشد بالله من دار الخلافة إلى الرصاقة ، ونُقل كل من كان مدفوناً بها .

الصفحة 152