كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 23)

"""""" صفحة رقم 155 """"""
الرَّجّالة أمام الخيّالة بالسلاح وكان قد وعد أصحابه بنهب وسبي النساء . فلما تراءت الفئتان بادر أصحاب دبيس وبين أيديهم الإماء يضربن بالدفوف والمخانيث بالملاهي ، ولم يُرَ في عسكر الخليفة غير قارئٍ ومسبّحٍ وداعٍ . فقامت الحرب على ساق ، فلما رأى الخليفة ذلك جرّد سيفه وكبّر وتقدم للقتال ، فانهزم دُبَيسٌ وحُملت الأسرى بين يدي الخليفة فأمر بقتلهم فضربت أعناقهم صَبراً .
وكان عسكر دبيس عشرة آلاف فارسٍ واثني عشر ألفَ راجلٍ ، وعسكر البرسقي ثمانية آلاف فارسٍ وخمسة آلاف راجلٍ ، ولم يُقتل من أصحاب الخليفة غير عشرة وجُعلت نساء دُبَيسٍ وسراريه تحت الأسر .
وعاد الخليفة إلى بغداد فدخلها في يوم عاشوراء من السنة وأما دُبَيسٌ بن صدقة فإنه لما انهزم نجا بفرسه وسلاحه واتبعه الخيل ففاتها . وعبر الفرات فرأته عجوز فقالت له : دبير جئت ؟ فقال دبير من لم يجيء واختفى خبره بعد ذلك وأُرجِف بقتله ثم ظهر أنه قصد غُزَيَّة من عرب نجد ، وطلب منهم أن يحالفوه فامتنعوا عن ذلك وقالوا لا نُسْخِط الخليفة والسلطان ثم رحل إلى طائفة من الأعراب واتفق معهم على قصد البصرة وأخذها ، فساروا إليها ودخلوها ونهبوها وقُتل مقدّم عسكرها فتجهر البرسقي لقتاله . فسمع دبيس ذلك ففارق البصرة وسار على البرّ إلى قلعة جعبر والتحق بالفرنج وحضر معهم حصار حلب وأطمعهم في أخْذها فلم يظفروا وعادوا عنها في سنة ثماني عشرة ثم فارقهم والتحق بالملك طغرل ابن السلطان محمد ، وأقام معه وحسّن له قصد العراق .
وفيها في صفرٍ أًمر المسترشد ببناء بغداد وأن يجيء ما يخرج عليه من البلد فشقّ ذلك على الناس ، وجُمع منه مال كثير . فلما علم كراهة الناس لذلك أمر بإعادة ما أُخذ منهم فسروا بذلك ، وقيل إن الوزير أحمد بن نظام الملك بذَل من ماله خمسة عشر ألف دينار وقال : " نقسط الباقي على أرباب الدولة " وكان أهل بغداد يعملون بأنفسهم فيه ويتناوبون العمل .

الصفحة 155