كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 23)

"""""" صفحة رقم 157 """"""
ويطلب الصُلح وهو يمتنع ، وكان يجري بين العسكرين مناوشةٌ والعامة من الجانب الشرقي يسبّون السلطان أقبح سبٍّ وأفحشه . ثم دخل جماعةٌ من عسكر السلطان إلى دار الخلافة ونهبوا التاج ، فضجّ الناس ونادوا : الغزاة الغزاة وأقبلوا من كل ناحية ، وخرج الخليفة من السرادق والشمسية على رأسه والوزير بين يديه ، وأمر بضرب الكوسات والبوقات ونادى بأعلى صوته : يا آل هاشم وأمر بتقديم السفن ، ونصب الجسر وعبر الناس دفعة واحدة وكان له في الدار ألف رجلٍ قد أخفاهم في السرداب ، فظهروا وعسكر السلطان قد اشتغل بالنهب فأسر منهم جماعة من الأمراء ، ونهب العامّة دار وزير السلطان ودور جماعةٍ من الأمراء ودار عز الدين المستوفي ودار الحكم أوحد الزمان ، وقُتل خلق كثيرٌ ممن في الدروب .
ثم عبر الخليفة إلى الجانب الشرقي ومعه ثلاثون ألف مقاتلٍ من أهل بغداد والسواد وأمر بحفْر الخنادق فحُفرت بالليل وحُفظت بغداد من عسكر السلطان ، ووقع الغلاء عند العسكر واشتد الأمر عليهم وكان القتال كل يوم عند أبواب البلد وعلى شاطئ دجلة . وعزم عسكر الخليفة أن يكبسوا عسكر السلطان فغدر بهم الأمير أبو الهيجاء الكردي صاحب إربل وخرج كأنه يريد القتال فالتحق بالسلطان وكان السلطان قد أرسل إلى عماد الدين زنكي وهو بواسطٍ يأمره بالحضور بنفسه ومعه المقاتلة في السفن وعلى الظهر ، فجمع كل سفينة بالبصرة وقد شحنها بالرجال المقاتلة . وسار إلى بغداد فلما قاربها أمر من معه بلبْس السلاح وإظهار ما عندهم من الجلَد والنهضة وسارت السفن في الماء والعسكر في البر على شاطئ دجلة وقد انتشروا وملأوا الأرض . فرأى الناس ما ملأ قلوبهم هيبةً ، وعزم السلطان على الجد في القتال ، فعندها أجاب الخليفة المسترشد بالله إلى الصلح ، وترددت الرسائل بينهما فاصطلحا .
وأقام السلطان ببغداد إلى عاشر شهر ربيع الآخر سنة إحدى وعشرين ، وحمل الخليفة إليه من المال ما استقرت القاعدة عليه ، وأهدى إليه سلاحاً وخيلاً وغير ذلك . ومرض السلطان ببغداد فأشار عليه الأطباء بمفارقتها فرحل إلى هَمَذان فلما وصلها

الصفحة 157