كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 23)
"""""" صفحة رقم 163 """"""
ذكر مسير الراشد بالله إلى الموصل وخلعه
كان سبب ذلك أن السلطان مسعوداً لما بلغه اجتماع العساكر والملوك والأمراء ببغداد على خلافه والخُطبة للملك داود ابن أخيه جمع العساكر وسار إلى بغداد ونزل بالملكية ، فسار بعض العسكر وطاردوا عسكره وعادوا ، ونزل السلطان على بغداد وحصرها نيِّفاً وخمسين يوماً ، فلم يظفرْ منها بشيء . ثم عاد إلى النهروان عازماً على العوْد إلى همذان فوصل إليه طرنطاي صاحب واسط ومعه سفنٌ كثيرةٌ ، فعاد إلى بغداد وعبر إلى غرب بدجلة واختلفت كلمة العسكر البغدادي فعاد الملك داود إلى بلاده في ذي القعدة وتفرق الأمراء .
وكان زنكي بالجانب الغربي فعبر إلى الخليفة وسار إلى الموصل . ودخل السلطان بغداد واستقر بها ، وذلك في نصف ذي القعدة سنة ثلاثين وخمسمائة .
قال وأمر السلطان فجمع القضاة والشهود والفقهاء وعُرض عليهم اليمين التي حلف بها الراشد وفيها بخط يده " إنني متى جندت أو خرجت أو لقيت أحداً من أصحاب السلطان بالسيف فقد خلعت نفسي من الأمر " فأفتوا بخروجه من الخلافة ، وقيل إن الوزير شرف الدين علي بن طراد الزينبي وكاتب الإنشاء ابن الأنباري وصاحب المخزن كمال الدين طلحة كانوا منذ أسرهم مع المسترشد ، فحضروا الآن معه ، واجتمعوا في يوم الاثنين لأربع عشرة ليلة بقيت من ذي القعدة سنة ثلاثين ، وكتبوا محضراً شهد فيه جماعةٌ من العُدول بما صدر من الراشد من الظُّلم وأخذ الأموال بغير حقها وسفْك الدماء وشُرب الخمور وارتكاب المحارم ، واستفتوا الفقهاء فيمن فعل ذلك هل تصِح معه إمامة أم لا ؟ وهل يجوز للسلطان أن يخلعه ويستبدل به من أهل بيت من هو خير منه طريقةً وديناً ؟ فأفتى الفقهاء بخلعه وفسْخ عهده والاستبدال به غيره ، وعُرضت الفُتيا والمحضر على السلطان فقال : هذا أمر قلدتكم إياه وأنا بريء منه عند الله ثم خُلع وقُطعت خطبته من بغداد وسائر البلاد في ذي القعدة وبويع بعده للمقتفي .
وكانت خلافته أحد عشر شهراً وأياماً ، وكتب السلطان إلى أتابك زنكي في القبض عليه وإرساله إلى بغداد فمنع من ذلك فارس الإسلام زين الدين علي بن بكتكين صاحب إرْبِل رحمه الله وقال : والله لا سلّمناه حتى تُراق دماؤنا واعتذر إلى السلطان وقال : أنا أخرجه من ولايتي ؟ فأرسل أنت عسكراً للقبض عليه من غير جهتنا