كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 23)
"""""" صفحة رقم 164 """"""
وأعد زين الدين جماعة من الأكراد فساروا بين يديه على طريق لا يعرفها كثيرٌ من الناس فوصل إلى مراغة أذربيجان ونزل ببريّة أبيه وتلقّاه أهلها وولّوه أمرهم فأقام بها يسيراً ثم ارتحل إلى الري فلما قرب من بلاد الباطنية جرّد عسكره لقتل من وجد منهم فقتل منهم جماعة ثم تنقّلت به الحال وكابد الغربة ووصل إلى همذان وسار منها يريد إصفهان . فلما كان في الخامس والعشرين من شهر رمضان سنة اثنتين وثلاثين وثب عليه نفر من الباطنية - وكانوا في خدمته علي زِي الخراسانية - فقتلوه وهو يريد القيْلولة وكان قد بلّ من أثر مرض قد برأ منه ودفن في شهرستان على فرسخ من إصفهان ، وقتل أصحابه الباطنية الذين قتلوه . ولما ورد الخبر بمقتل الراشد بغداد جلسوا للعزاء في دار النوبة يوماً واحداً . وكان الراشد بالله أشقر اللون حسن الصورة ، مهيباً شديد القوة والبطش .
ذكر خلافة المقتفي لأمر الله
هو أبو عبد الله محمد وقيل الحسين بن المستظهر بالله أبي العباس أحمد بن المقتدي بأمر الله أبي القاسم عبد الله ، وأمه أم ولد تدعى ياعي . وهو الخليفة الحادي والثلاثون من الخلفاء العباسيين بويع له بعد خلع ابن أخيه الراشد بالله في ثامن عشر ذي الحجة سنة ثلاثين وخمسمائة . وذلك أنه لما خُلع الراشد بالله استشار السلطان مسعود بن محمد السُّلجقي جماعة من أعيان بغداد فيهم الوزير شرف الدين علي بن طرّاد الزينبي وكمال الدين صاحب المخزن وغيرهما فيمن يصلح أن يلي الخلافة فقال الوزير : أحد عمومة الراشد بالله وهو رجل صالح قال : من هو ؟ قال : لا أقدر أن أفصح باسمه لئلا يُقتل : فتقدّم إليهم بعمل محضرٍ فعُمل المحضر على ما نذكره فلما كمُل المحضر أُحضر القاضي أبو طاهرٍ الكرخي وشهدوا عنده بما تضمّنه المحضر فحكم بفِسق الراشد وخلعه وحكم بعده غيره . ولم يكن قاضي القضاة بغداد ليحكم فإنه كان بالموْصل عند أتابك زنكي فلما كمل ذلك ذكره الوزير للسلطان وذكر دينه وعفّته ولين جانبه ، فحضر السلطان إلى دار الخلافة ومعه الوزير وصاحب المخزن وغيرهما وأمر بإحضار الأمير أبي عبد الله بن المستظهر من المكان الذي كان يسكن فيه ، فأُحضر وأُجلس في الميمنة ودخل السلطان وتحالفا وقررا القواعد بينهما . وخرج السلطان من عنده وحضر الأمراء وأرباب المناصب والقضاة والفقهاء . ولُقّب المقتفي بأمر الله .