كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 23)

"""""" صفحة رقم 170 """"""
وفي سنة خمسين وخمسمائة سار الخليفة إلى دقوقاً فحصرها وقاتل من بها ، ثم رحل عنها ولم يبلغ غرضاً .
وفيها استولى شملة التركماني على خوزستان وصاحبها حينئذ ملكشاه محمود ، فسيّر إليه عسكراً فقاتلهم شملة وهزمهم وأسر وجوههم ، ثم أحسن إليهم وأطلقهم ، وأرسل إلى الخليفة المقتفي لأمر الله يعتذر منه فقبل عذره .
وفي سنة إحدى وخمسين وخمسمائة حصر السلطان محمد بن محمود السلجقي بغداد ، وكان قد راسل الخليفة في الخطبة له ببغداد والعراق ، فامتنع الخليفة من إجابته ، فسار من همذان وواعده قطب الدين صاحب المَوصل أن يرسل إليه العسكر ، فقدم في ذي الحجة ودام الحصار والقتال إلى شهر ربيع الأول سنة اثنتين وخمسين ، فبلغ السلطان محمد أن أخاه ملكشاه وإيلدكَر وأرسلان طغرل دخلوا همذان واستولوا عليها ، فرجع عن بغداد ولم يبلغ رضا ، وتفرقت العساكر .
وفي شهر ربيع الأول سنة إحدى وخمسين أطلق ابن الوزير ابن هبيرة من حبس تكريت فتلقته المواكب وكان يوماً مشهوداً .
وفيها في شهر ربيع الآخر احترق أكثر بغداد ، واحترقت دار الخلافة . وفي سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة كان بالشام زلازل كثيرةٌ خربت كثيراً من البلاد والقلاع والأسوار ، وهلك من العالم ما لا يحصى كثرةً . ومما يدل على ذلك ما حكاه ابن الأثير في تاريخه الكامل " أن معلماً كان بمدينة حماه يعلِّم الصبيان ، ففارق المكتب لحاجة عرضت له فجاءت الزلزلة فخرّبت البلد وسقط المكتب على الصبيان فهلكوا عن آخرهم - قال - فقال المعلم : فلم يأت أحد يسألني عن صبيٍّ كان له فيدل على موت جميع أهليهم .
وفيها قلع الخليفة المقتفي لأمر الله باب الكعبة وعمل عوضة باباً مصفحاً بالفضة المذهبة ، وعمل لنفسه من الباب الأول تابوتاً يدفن فيه إذا مات وفي سنة أربع وخمسين وخمسمائة في ثامن عشر ربيع الأول كثرت الزيادة في دجلة فغرقت بغداد ، وتهدّمت الدور وسور المدينة وكثر الخراب ولم يعرف الناس حدودهم على التحرير ، بل بالتخمين .
وفيها مات السلطان محمد الذي حاصر بغداد بمرض السُّلّ .

الصفحة 170