كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 23)

"""""" صفحة رقم 171 """"""
وفيها عاد ترشك إلى بغداد ولم يعرفه أحد ولا شعر به إلا وقد ألقى نفسه تحت التاج ومعه سيف وكفن . فرضي عنه الخليفة ، وأذِن له في دخول الدار وأنعم عليه بمال
ذكر وفاة المقتفي لأمر الله وشيء من أخباره
كانت وفاة المقتفي لأمر الله في شهر ربيع الآخر سنة خمس وخمسين وخمسمائة ، وقيل لليلتين خَلَتا من شهر رجب . ومولده في ثاني عشر ربيع الآخر سنة تسع وثمانين وأربعمائة ، وكان عمره ستاً وستين سنة تقريباً ، ومدة خلافته أربعاً وعشرين سنة وشهوراً . وكان شيخاً أبيض الرأٍس واللحية طويلها ، وكان حليماً كريماً عادلاً حسن السيرة جميل الرأي وافر العقل ، شجاعاً مقداماً يباشر الحروب بنفسه ، وكان يحب جمْع المال . وفي أول خلافته ولّى القضاء بمدينة السلام لرجل يعرف بابن المرخم ، وجعله يتولى عقوبة عماله ووجوه دولته وأخذ أموالهم ، فقال بعض الشعراء في ذلك :
ضخِّمي ويْكِ والطُّمِي . . . وَلِيَ ابن المرخم
وآه على الحكم والقضا . . . وعلى كلِّ مُسلم
وأرى المقتفي الإما . . . م عن الحق قد عَمِي
فبلغ المقتفي ذلك فأخذ الشاعر بنكاله وعذبه وما زاده ذلك إلا تمادياً في حاله . وهو أول من استبد بالعراق منفرداً عن سلطان يكون معه من أول أيام الدَّيلم وإلى هذا الوقت ، وأول خليفة تمكن من عسكره وأصحابه وحكم على الخلافة منذ تحكم المماليك على الخلفاء في خلافة المستنصر بالله وإلى الآن ، إلا أن يكون المعتضد بالله . وكان المقتفي يبذل الأموال العظيمة لأصحاب الأخبار في جميع البلاد حتى لا يفوتَه منها شيءٌ ، وكانت دعوته بالعراق والحجاز والشام وخراسان .

الصفحة 171