كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 23)

"""""" صفحة رقم 172 """"""
ذكر خلافة المستنجد بالله
هو أبو المظفر يوسف بن المقتفي لأمر الله أبي عبد الله محمد بن المستظهر بالله ، وأمه أم ولد تدعى طاوُس وقيل نرجس ، رومية . وهو الخليفة الثاني والثلاثون من الخلفاء بويع له بعد وفاة أبيه في شهر ربيع الأول في سنة خمس وخمسين وخمسمائة وقبل لليلتين خَلَتا من شهر رجب منها والله تعالى أعلم .
قال : وكان للمقتفي حظية وهم أم ولده أبي علي . فلما اشتدّ مرضه وأيست منه ، أرسلت إلى جماعة من الأمراء وبذلت لهم الإقطاعات الكثيرة والأموال الجزيلة ليساعدوها على أن يكون ولدها الأمير أبو علي خليفةً فقالوا : كيف الحيلة مع ولي العهد ؟ فقررت أنها تقبض عليه إذا دخل ، وكان يدخل على أبيه في كل يوم فقالوا : لا بد لنا من أحد أرباب الدولة فوقع اختيارهم على أبي المعالي بن الكيال الهراس فدعوْه إلى ذلك فأجابهم على أن يكون وزيراً ، فبذلوا له ما طلب . فلما استقرت القاعدة بينهم أحضرت عدّة من الجواري وأعطتهن السكاكين وأمرتهن بقتل ولي العهد المستنجد بالله . كان له خصيٌّ صغيرٌ يرسله في كل وقت يتعرف أخبار والده فرأى الجواري وبأيديهن السكاكين وبيد أبي علي وأمه سيفين ، فعاد إلى المستنجد وأخبره .
وأرسلت هي إلى المستنجد تقول : " إن والدك قد حضرته الوفاة فاحضر لتشاهده " فاستدعى أستاذ الدار عضُد الدين ، وأخذ معه جماعةً من الفراشيين ، ودخل الدار وقد لبس الدِّرع والسيف في يده ، فلما دخل ثار به الجواري فضرب واحدةً منهن فجرحها وجرح أخرى وصاح فدخل أستاذ الدار والفراشون فهرب الجواري وأخذ أخاه أبا علي وأمه فسجنهما ، وقتل من الجواري وغرَّق وجلس للمبايعة فبايعه أهله وأقاربه . وأول من بايعه عمه أبو طالب ثم أخوه أبو جعفر بن المقتفي وكان أكبر من المستنجد ، ثم بايعه الوزير ابن هبيرة ، وقاضي القضاة ، وأرباب الدولة والعلماء . وخُطب له في يوم الجمعة ، ونُثرت الدنانير والدراهم .
وقال ابن هبيرة الوزير عنه : إنه قال " رأيت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في المنام منذ خمس عشرة سنة فقال لي : يبقى أبوك في الخلافة خمس عشرة سنة فكان كما قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في المنام " ثم قال " رأيته قبل موت المقتفي بأربعة أشهر ، فدخل في باب كبير ثم ارُنقَى إلى رأس جبل وصلّى بي ركعتين وألبسني قميصاً ثم قال لي : قل " اللهم اهدني فيمن هديت " وذكر دعاء القنوت " .

الصفحة 172