كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 23)

"""""" صفحة رقم 182 """"""
ذكر انهزام عسكر الخليفة من طغرل
كان طغرل السلجقي قد قوي أمره في سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة وكثر جمعه ، وأرسل إلى بغداد يقول : أريد أن يتقدم إليّ الديوان بعمارة دار السلطنة لأنزل فيها إذا قدمت فرد الخليفة رسوله بغير جواب ، وأمر بنقض دار السلطنة فهدِّمت إلى الأرض وعفي أثرها ووصل رسول قزل - وهو صاحب أران وأذربيجان وهمذان وإصفهان والري وما بينهما - ببذل الطاعة والخدمة ويستنجد الخليفة على طغرل ، فأكرم الخليفة رسوله ووعده بتجهيز العساكر إليه ، وجهّزها في سنة أربع وثمانين وخمسمائة ، وقدم عليها الوزير جلال الدين عبيد الله بن يونس وسيرهم لمساعدة قزل وكف السلطان طغرل عن البلاد ، فسار العسكر في ثالث صفر إلى أن قارب همذان ، فلم يصل قزل إليهم ، وأقبل طغرل في عساكره ، والتقوا في ثامن شهر ربيع الأول بمرج عند همذان ، فلم تثبت عساكر الخليفة وانهزمت ، وبقي الوزير قائماً ومعه مصحف وسيف ، فأُسر وأُخذ ما معه من خزانة وسلاح وغيره ، وعاد العسكر إلى بغداد متفرقين .
وفي سنة خمس وثمانين وخمسمائة خُطب لولي العهد أبي نصر محمد بن الخليفة الناصر لدين الله ببغداد ، ونثرت الدنانير والدراهم ، وأُرسل إلى البلاد في إقامة الخطبة له .
وفيها في شوال ملك الخليفة تكريت ، وسبب ذلك أن صاحبها الأمير عيسى قتله إخوته وملكوا القلعة بعده ، فسير الخليفة إليهم عسكراً فحصروها وتسلموها ، ودخل أصحابها إلى بغداد فأُعطوا إقطاعاً .
وفي سنة ست وثمانين وخمسمائة في شهر ربيع الأول ملك الخليفة الناصر لدين الله حديثة عانة ، وكان قد سيّر إليها جيشاً في سنة خمس وثمانين وخمسمائة فحاصروها وقاتلوا عليها شديداً ، وقتل من الفريقين خلْقٌ كثير ، ودام الحصار فضاقت الأقوات على أهلها ، فسلموها على إقطاع عيّنوه ، ووصل صاحبها وأهلها بغداد وأُعطوا إقطاعاً ثم تفرّقوا في البلاد ، واشتدت بهم الحاجة حتى تعرّض بعضهم للسؤال وبعضهم خدم الناس .

الصفحة 182