كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 23)

"""""" صفحة رقم 187 """"""
ذكر خلافة الظاهر بأمر الله
هو أبو نصر محمد بن الناصر لدين الله أبي العباس أحمد بن المستضيء بأمر الله ، وهو الخليفة الخامس والثلاثون من الخلفاء العباسيين . بويع له البيعة العامة بعد وفاة والده الناصر لدين الله في شوال سنة اثنتين وعشرين وستمائة ، وكان قد خلع من ولاية العهد وقطعت خطبته كما تقدم ، وإنما فعل ذلك أبوه لميله إلى ولده الصغير ، فلما مات اضطر إلى إعادته لولاية العهد . قال : ولما ولِيَ الخلافة أظهر العدل والإحسان وأمر بإبطال المظالم وكف الأيدي عن الناس ، وأعاد على الناس ما كان أبوه قد اغتصبه من أموالهم وأملاكهم ، وأبطل المكوس والحوادث . فمن ذلك أن المخزن كان له صنجة للذهب تزيد على صنجة البلد نصف قيراط في الدينار ، فيقبضون بها المال ويصرفون بصنجة البلد ، فسمع بذل فخرج خطه للوزير أوله : " ويل للمطففين " إلى قوله " ليوم عظيم " قد بلغنا الأمر كذا وكذا فتعاد صنجة المخزن إلى الصحيحة المتعامل بها . فكتب إليه بعض النواب يقول : " إن هذا نبلغ كبير وقد حسبناه فكان في السنة الماضية خمسة وثلاثين ألف دينار " فأعاد عليه الجواب بالإنكار ويقول : لو كان ثلاثمائة ألف دينار وخمسين ألفاً يطلق ، وأطلق زيادة صنجة الديوان وهي في كل دينار حبة ، وتقدم إلى القاضي أن كل من عرض كتاباً قديماً بمِلْكٍ صحيح يعيده إليه من غير إذنه . وأقام رجلاً صالحاً لولاية الحشري وبيت المال وكان حنبلياً فقال : إن مذهبي أن أُورث ذي الأرحام فإن أذن أمير المؤمنين أن أفعل ذلك وليِتُ وإلا فلا فقال أعط كل ذي حق حقه واتّق الله ولا تتّق سواه وأبطل مطالعات حراس الدروب ببغداد بأخبار الناس وقال " لا يُكتب إلينا إلا فيما يتعلق بمصالح دولتنا " .
ومنه أنه لما ولي الخلافة وصل صاحب الديوان من واسط وكان وُجّه في خلافة الناصر لتحصيل الأموال ، فأحضر ما يزيد على مائة ألف دينارٍ وطالع بذلك ، فأعاد الخليفة الظاهر الجواب بإعادة المال إلى أربابه ، فأُعيد إليهم . وأطلق مَنْ كان في السجون وأمر أن يُحمل إلى القاضي عشرة آلاف دينار يوفي بها دين مَنْ هو في سجن الحاكم على شيء يعجز عنه . وتصدّق في ليلة عيد الفطر وفرّق في العلماء وأهل الدين مائة ألف دينار ، ولم تطُل مدّته في الخلافة .

الصفحة 187