كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 23)

"""""" صفحة رقم 188 """"""
وكانت وفاته في رابع عشر رجب سنة ثلاث وعشرين وستمائة ، فكانت مدة خلافته منذ أفضى إليه الأمر تسعة أشهر وأربعة عشر يوماً . قال : وأخرج قبل وفاته توقيعاً بخطه إلى الوزير ليقرأه على أرباب الدولة مقال الرسول . إن أمير المؤمنين يقول ليس غرضاً أن يقال برز موسومٌ أو نفذ مثال لا يبين له أثر ، بل أنتم إلى أمام فعال أحوج منكم إلى إمام قوّال فقرأ المرسوم فإذا فيه بعد البسملة " اعلموا أنه ليس إمهالنا إهمالاً ولا إغضاؤنا إغفالاً ولكن نبلوكم أيكم أحسن عملاً ، وقد غفرنا لكم ما سلف من إخراب البلاد وتسريد الرعايا وتقبيح الشنعة وإظهار الباطل الجليّ في البلاد وتشريد الحَسَن الخفيّ حيلة ومكيدة ، وتسمية الاستئصال والاحتياج استيفاءً واستدراكاً لأغراض انتهزتم فرصتها مختلسة من براثن ليثٍ باسل وأنياب أسد مهيب ، تتفقون بألفاظ مختلفة على معنى واحدٍ ، وأنتم أمناؤه وثقاته فتميلون إلى هواكم ، وتمزجون باطلكم بحقّه فيطيعكم وأنتم له عاصون ، ويوافقون وأنتم له مخالفون . والآن فقد بدل الله سبحانه بخوفكم أمناً ، وبفقركم غنىً ، وبباطلكم حقاً . ورزقكم سلطاناً يُقيل العَثرة ولا يؤاخذ إلا من أصرّ ، ولا ينتقم إلا ممن استمر ، يأمركم بالعدل وهو يريده منكم وينهاكم عن الجَور وهو يكرهه لكم ، يخاف الله تعالى فيخوفكم مكْره ويرجو الله تعالى ويرغبكم في طاعته فإن سلكتم مسالك نواب خلفاء الله في أرضه وأمنائه على خلقه وإلا هلكتم ، والسلام " قال : ووجد في داره رقاع مختومة لم يفتحها فقيل له : ما عليك لو فتحتها فقال : لا حاجة لنا فيها كلها سعايات
ذكر خلافة المستنصر بالله
هو أبو جعفر المنصور ولُقّب في خلافته بالمستنصر بن الظاهر بأمر الله أبي نصر محمد بن الناصر لدين الله أبي العباس أحمد ، وهو الخليفة السادس والثلاثون من الخلفاء العباسيين . بويع له بالخلافة بعد وفاة أبيه الظاهر بأمر الله في رابع عشر شهر رجب ثلاثٍ وعشرين وستمائة ، فسلك من العدل والخير والإحسان مسلك والده ، ونادى بإفاضة العدل وأن يطالع الناس بحوائجهم . ولما كان أول جمعة أتت في خلافته أراد أن يصلي الجمعة في المقصورة التي يصلي فيها الخلفاء فقيل له إن المطبق الذي يسلُك إليها فيه خَراب لا يُسلك فركب فرساً وسار إلى الجامع ظاهراً للناس بخادم وركاب دار وعليه قميص أبيض وعمامة بيضاء بسكاكين حرير ، ولم يترك أحداً يمشي في خدمته . وكذلك فعل في الجمعة الثانية حتى صلح المطبق

الصفحة 188