كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 23)
"""""" صفحة رقم 196 """"""
من بني أمية أبو المظفر عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان . وقيل كنيته أبو المطرّف ، وقيل أبو سليمان ، وقيل أبو زيد ، وأمه بربرية من سبْي أفريقية واسمها راح ولقّب عبد الرحمن بالداخل عند دخوله . وكان استيلاء عبد الرحمن على الأندلس في سنة ثمانٍ وثلاثين ومائة . وقيل تسع وثلاثين . وكان سبب دخوله إليها واستيلائه عليها أنه لما قتل مروان بن محمد ، وانقرضت الدولة الأموية ، وقتل من قتل من بني أمية ، وتشتتوا في البلاد . . . . كان عبد الرحمن هذا بذات الزيتون ففرّ منها إلى فلسطين ، فأقام بها هو ومولاه بدرٌ يتجسّس له الأخبار ، فحكى عنه أنه قال : " لما أُعطينا الأمان ثم نُكث بنا بنهر أبي فُطرس أتاني الخبر وكنت منتبذاً عن الناس . فرجعت إلى منزلي آيساً ونظرت فيما يصلحني وأهلي ، وخرجت خائفاً حتى صرت إلى قرية على الفرات ذات شجر وغياض . فبينا أنا ذات يوم فيها وولدي سليمان يلعب بين يدي - وهو يومئذ ابن أربع سنين - فخرج عني ثم دخل ليَّ باكياً فزعاً ، فتعلق بي وجعلت أدفعه ، وخرجت لأنظر فإذا بالخوف قد نزل بالقرية والرايات السود منحطة عليها وأخٌ لي حَدَثٌ يقول لي : النجاة النجاة فأخذت دنانير معي ونجوت بنفسي وأخي وأعلمت أخواتي بمقصدي وأمرتهن أن يُلحقنني مولاي بدراً - قال - وأحاطت الخيل بالقرية فلو يجدوا لي أثراً . فأتيت رجُلاً من معارفي وأمرته فاشترى لي دوابّ وما يصلحني فدلّ عليّ عبدٌ له العاملَ ، فأقبل خيله يطلبني فخرجنا على أرجلنا والخيل تبصرنا ، فدخلنا الفرات فسبحنا فنجوت أنا والخيل ينادون بالأمان وأنا لا أرجع وأما أخي فإنه عجز عن السباحة في نصف الفرات فرجع إليهم بالأمان ، فقتلوه وأنا أنظر إليه وهو ابن ثلاث عشرة سنة فاحتملت ثُكله ومضيت وتواريت في غَيضة حتى انقطع الطلب عني . وخرجت فقصدت المغرب فبلغت أفريقية ، ثم ألحقتني أختي أم الإصبع مولاي بدراً بنفقةٍ وجوهرٍ .
قال المؤرخ : ولما بلغ أفريقية كان بها عبد الرحمن بن حبيب الفهري عاملاً لمروان بن محمد ، فظنّ عبد الرحمن بن معاوية أن ابن حبيب يرعاهم ويحوطهم