كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 23)
"""""" صفحة رقم 202 """"""
ذكر عصيان أهل إشبيلية على الأمير عبد الرحمن
قال : وفي سنة خمس وخمسين ومائة خرج أهل إشبيلية عن الطاعة مع عبد الغفار وحيوة بن مُلابِس ، وكان عبد الرحمن قد خرج من قرطبة لحرب شنقا واستخلف عليها ابنه سليمان فأتاه كتابه بخروجهم عن طاعته وعصيانهم عليه واتّفاق من بها من اليمانية على ذلك . فرجع عبد الرحمن إليها ولم يدخل قرطبة ، وهاله ما سمع من اجتماعهم وكثرتهم ، فقدّم ابن عمه عبد الملك بن عمر ، فلما قارب عبد الملك إشبيلية قدّم ابنه أُمية ليُعلِمه حالهم ، فرآهم متيقظين فرجع إلى أبيه فلامه أبوه على رجوعه وإظهار الوهن ، فضرب عنقه وجميع بنيه وخاصّته وقال : طردنا من المشرق إلى الأقصى هذا الصُّقْع ونُحسد على لقمة تبْقِي الرمق ، اكسروا جُفون سيوفكم فالموت أولى أو الظفر ففعلوا ، وحمل أمامهم فهزم اليمانية وأهل إشبيلية قلم يَقُم بعدها لليمانية قائمةٌ .
وجُرح عبد الملك وبلغ الخبر عبد الرحمن فأتاه وجُرحه يجري دماً وسيفُه يقطر وقد لصقت يده بقائمة سيفه ، فقبَّل بين عينيه وجزاه خيراً وقال له : يا ابن عم قد أنكحتُ ابني وليَّ عهدي هشاماً ابنتك فلانة وأعطيتها كذا وكذا ، وأعطيتك كذا وكذا ، وأولادك كذا وكذا ، وأقطعتُك وإياهم كذا وكذا ، ووليتك الوزارة وعبد الملك هذا هو الذي ألزم عبد الرحمن بقطْع خطبة المنصور وقال له : تقطعها وإلا قتلت نفسي وكان قد خطب له عشرة أشهر وقطعها .
قال : وفي سنة سبع وخمسين ومائة سار عبد الرحمن إلى إشبيلية وقتل خلْقاً كثيراً مِمّن كان مع عبد الغفار ، وبسبب هذه الوقعة وغِشّ العرب مال عبد الرحمن إلى اقتناء العبيد .
وفي سنة ست وخمسين سخط الأمير عبد الرحمن على مولاه بدر لفرط إدلاله عليه ، وأخذ ماله وسلب نعمته ونفاه إلى الثغور ولم يًرْع له حقوق الخدمة .
وفي سنة ثمان وخمسين ومائة غزا الأمير عبد الرحمن مدينة قورية وقصد البربر الذين كانوا أسلموا إلى شقنا فقتل منهم خلقاً كثيراً من أعيانهم