كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 23)

"""""" صفحة رقم 204 """"""
سعيد بن سعد بن عبادة الأنصاري بسرقُسْطة واشتدّ أمرهما فرجع عن ذلك وترك ما كان أظهره منه . وفي سنة خمس وستين ومائة غدر الحسين بن يحيى بسرقسطة ونكث ، فسيّر إليه عبد الرحمن غالب بن تمام بن علقمة في جُندٍ كثيف فاقتتلوا ، فأسر جماعة من أصحاب الحسين فيهم ابنه عيسى ، فسيّرهم إلى عبد الرحمن فقتلهم ، وأقام غالب بن تمام بن علقمة يحاصر الحسين . ثم سار عبد الرحمن في سنة ست وستين إلى سرقسطة فحصرها وضايقها ونصب عليها ستة وثلاثين منجنيقاً ، فملكها عَنوةً قتل الحسين أقبح قتلة ، ونفى أهل سرقسطة منها ليمينٍ كانت تقدّمت منه ، ثم ردّهم إليها .
وفي سنة ست وستين ومائة قتل عبد الرحمن ابن أخته المغيرة ابن الوليد بن هشام وهذيل بن الصُّمَيْل وسمرة بن جبلة لاجتماعهم على خلْعه مع العلاء .
ذكر مخالفة أبي الأسود محمد بن يوسف الفهري
وفي سنة ثمان وستين ومائة ثار أبو الأسود محمد بن يوسف بن عبد الرحمن الفهري ببلاد الأندلس . وكان من خبره أنه كان في السجن بقرطبة منذ هرب أبوه على ما تقدّم ، فأظهر أنه عَميَ وصار لا يطرف عينه لشيء ، وبقي دهراً طويلاً حتى صح عند عبد الرحمن ذلك . وكان في أقصى السجن سرداب يُفضي إلى النهر الأعظم يخرج منه المسجونون يقضون حوائجهم من غسل وغيره ، وكان الموكلون يهملون أبا الأسود لعماه فإذا خرج من النهر يقول : من يدل الأعمى إلى موضعه وكان مولى له بحادثه على شاطئ النهر فلا ينكر عليه .
فواعده أن يأتيه بخيلٍ يحمله عليها فخرج يوماً ومولاه ينتظره فعبر النهر سباحة وركب الخيل ولحق بطليطلة فاجتمع إليه خلق كثير فرجع بهم إلى قتال عبد الرحمن . فالتقيا على الوادي الأحمر بقسطلونة واشتدّ القتال فانهزم ابن الفهري ، وقتل من أصحابه أربعة آلاف سوى من تردّى في النهر . وأتبعه عبد الرحمن فقتل منْ لحق حتى جاوز قلعة رباح ، ثم جمع أبو الأسود الرجال وعاد إلى قتال عبد الرحمن سنة تسع وستين ومائة فهلك بقرية من أعمال طليطلة . وقام بعده أخوه قاسم وجمع جمعاً فغزاه عبد الرحمن إليه بغير أمان فقتله .
وفي سنة سبعين ومائة أمر عبد الرحمن ببناء جامع قرطبة - وكان موضعه كنيسة - وأخرج عليه مائة ألف دينار ، ولم يتم بناؤه في حياته فأتمه ابنه بعده .

الصفحة 204