كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 23)
"""""" صفحة رقم 205 """"""
ذكر وفاة عبد الرحمن وصفته وشيء من أخباره وسيرته
كانت وفاته بقرطبة في يوم الثلاثاء لست بقين من شهر ربيع الآخر سنة إحدى وسبعين ومائة ، وقيل توفي في غرة جمادى الأولى سنة اثنتين وسبعين ومائة ، وهو الصحيح وصلى عليه ابنه عبد الله ، وكان قد عهد إلى ابنه هشام بمدينة مارِدة والياً عليها ، وابنه سليمان بطليطلة والياً عليها ، فلم يحضرا موت أبيهما .
وكان مولد عبد الرحمن بدير حنا من عمل دمشق ، وقيل العلياء من ناحية تدمُر في سنة ثلاث عشرة ومائة فكان عمره تسعاً وخمسين سنة ، ومدة ولايته بالأندلس ثلاثاً وثلاثين سنة وأربعة أشهر وأربعة عشر يوماً . وكان أصهب خفيف العارضين طويل القامة نحيف الجسم أعور ، وكان فصيحاً لَسِناً شاعراً حليماً عالماً حازماً ، سريع النهضة في طلب الخارجين عليه . لا يخلد إلى راحة ، ولا يسكن إلى دعة ، ولا يكبل أموره إلى غيره ، ولا ينفرد في إبرامها برأيه . وكان يُشبَّه بأبي جعفر المنصور في حزمه وشدّته وضبطه لملكه . وبنى الرصافة بقرطبة تشبهاً بجده هشام حيث بنى الرصافة بالشام ، فقال : وكان عبد الرحمن من ذوي الآداب ، وله شعر حسن ، فمن شعره ما قاله بالأندلس يتشوق معاهده بالشام :
أيها الراكب المُيَمَّم أرضي . . . أقْرِ من بعضي السلام لبعضي
إن جسمي كما علمْتَ بأرض . . . وفؤادي كما عملت بأرض
قُدِّر البيْن بيننا فافترقنا . . . وطوى البين عن جفوني غُمضي
قد قضى الله بالفراق علينا . . . فعسى باجتماعنا سوف يقضي
ومن شعره ما قاله لما عمّر الرصافة بقرطبة ، وقد رأى فيها نخلة منفردة ، فقال :
تَبدّت لنا بين الرَّصافة نخلةٌ . . . تناءت بأرض الغرب عن بلد النخل
فقلت شبيهي في التغرُّب مثلها . . . وطول اكتئابي عن بنيَّ وعن أهلي
نشأت بأرضٍ أنت فيه غريبةٌ . . . فمثلك في الإقصاء والمنتأى مثلي
سقتك غوادي المُزن من صوْبها الذي . . . يسِحّ ويستمري السِّماكين بالوبل