كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 23)

"""""" صفحة رقم 213 """"""
أولاد عمه عبد الله ، وأكرم عمّه وأجزى له ولأولاده الأرزاق الواسعة والصلات السنية . وقيل كانت المراسلة في هذه السنة ، واستقر الصلح في سنة سبع وثمانين .
ذكر استيلاء الفرنج على مدينة تطيله
وفي سنة سبع وثمانين ومائة ملك الفرنج - لعنهم الله - مدينة تُطَيلة . وسبب ذلك أن الحكم بن هشام استعمل على ثغور الأندلس قائداً كبيراً من قواده وهو عمروس بن يوسف . فاستعمل عمروس ابنه يوسف على تطيلة . وكان قد انهزم من الحكم أهل بيت من بيوت الأندلس أولو قُوّة وبأسٍ ، وخرجوا عن طاعته ، والتحقوا بالمشركين فقيَ أمرهم ، واشتدت شوكتهم ، وتقدموا إلى تُطيلة فحصروها وملكوها من المسلمين ، وأسروا أميرها يوسف بن عمروس وسجنوه وتقدموا بصخرة قيس . واستقرّ عمروس بمدينة سرقسطة ليحفظها من الكفار ، وجمع العساكر وسيرها مع ابن عم له ، فلقي المشركين فقاتلهم وفَضّ جمْعهم ، وقتل أكثرهم ، وسار إلى صخرة قيس بالجيش فحصرها وافتتحها وخلّص يوسف منها .
ذكر إيقاع الحكم بأهل قرطبة
كان ذلك في سنة سبع وثمانين ومائة ، وسببه أن الحكم في صدْر ولايته كان قد تظاهر بشُرب الخمر والانهماك على الملذات . وكانت قرطبة دار علم وبها فضلاء أهل علم وورع ، منهم يحيى بن يحيى الليثي راوي موطأ مالك بن أنس وغيره . فثار أهل قرطبة وأنكروا فعل الحكم وروموه بالحجارة وأرادوا قتْله ، فامتنع منهم ثم سكن الحال واجتمع بعد ذلك بأيام وجوه أهل قرطبة وفقهاؤها وحضروا عند محمد بن القاسم القرشي المرواني - عم هشام بن حمزة - وأخذوا له البيعة على أهل البلد وعرّفوه أن الناس قد ارتضوه كافّةً . فاستظهرهم ليلة ليرى رأيه ، ويستخير الله تعالى فانصرفوا ، وحضر هو عند الحكم وأعلمه الحال وأنه على بيعته له لم يتغير ، فطلب الحكم تصحيح ذلك عنده وسيّر مع محمد بن القاسم بعض ثقاته فأجلسه محمد في قبة في داره وأخفى أمره ، وحضر عنده القوم يستعلمون منه هل يتقلد أمرهم أم لا . فأراهم المخافة على نفسه وعظّم عليهم الخطْب وسألهم تعداد أسمائهم ومن معهم ، فذكروا له جميع من معهم من أعيان البلد وصاحب الحكم يكتب أسماءهم ، فقال لهم محمد بن القاسم : يكون هذا الأمر يوم الجمعة إن شاء الله تعالى في المسجد الجامع فانصرفوا ومشى إلى الحكم مع صاحبه فأعلمه جلية الحال . وكان ذلك يوم الخميس ، فما جاء الليل حتى حَبَسَ الجماعة عن آخرهم ، ثم أمر بهم بعد أيام فصُلِبوا عند

الصفحة 213