كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 23)

"""""" صفحة رقم 214 """"""
قصره وكانوا اثنين وسبعين رجلاً ، وكان يوماً شنيعاً ثم كانت وقعة الرَّبض بعد ذلك على ما نذكره إن شاء الله تعالى .
ذكر إيقاع الحكم بأهل طليطلة وهي وقعة الحُفرة
قال : وفي سنة إحدى وتسعين ومائة أوقع الحكم بأهل طليطلة ، فقتل منهم ما يزيد على خمسة آلاف رجل من أعيان أهلها . وكان سبب ذلك أن أهل طليطلة كانوا قد طمعوا في الأمراء وخلعوهم مرة بعد أخرى ، وقوِيت نفوسهم ؛ ولحصانة بلدهم وكثرة أموالهم ، فلم يكونوا يطيعون أمراءهم طاعةً مُرْضِيةً . فلما أعيا الحكم شأنُهم أعمل الفكرة ، فاستعان بعمروس بن يوسف المعروف بالمولد ، وكان قد ظهر في هذا الوقت بالثَّغر الأعلى ، وأظهر طاعة الحكم ودعا إليه فاطمأنّ إليه لهدا السبب . واستقدمه فقدِم عليه ، فبالغ الحكم في إكرامه وأطلعه على عزْمه في أهل طليطلة فوافقه عليه .
وكتب إلى أهلها يقول " إنني قد اخترت لكم فلاناً وهو منكم لتطمئنّ قلوبكم إليه وأعفيتكم ممّن تكرهون من عُمّالنا وموالينا ، ولتعرفوا جميل رأينا فيكم " ومضى عمروس ودخل طليطلة فأنس أهلها به واطمأنوا إليه وأحسن عشرتهم .
وكان أول ما احتال به عليهم أن أظهر موافقتهم على بُغض بني أمية وخلْع طاعتهم ، فمالوا إليه ووثقوا به ورضوا بفعله ثم قال لهم : إن سبب الشر بينكم وبيم أصحاب الأمراء اختلاطهم بكم ، وقد رأيت أن أبني بناء أعتزل فيه أنا وأصحاب السلطان رفقاً بكم فأجابوه إلى ذلك ، فبنى في وسط البلد ما أراد .
فلما مضى لذلك مدة كتب الحكم إلى عامل له على الثغر الأعلى سراً يأمره أن يرسل إليه يستغيث من جيوش الكفرة ، وطلب النجدة والعساكر ، ففعل ذلك ، فحشد الحكم الجيوش واستعمل عليهم ابنه عبد الرحمن ، وجهّز معه القواد والوزراء ، فسار الجيش حتى اجتاز مدينة طليطلة فلم يتعرض عبد الرحمن لدخوله إليهما . وأتاه وهو عندها خبر العامل على الثغر الأعلى يقول " إن عساكر الكفرة قد تفرّقت وكفى الله شرها " فوقف العسكر وعزم عبد الرحمن على العوْد إلى قرطبة فقال عمروس عند ذلك لأهل طليطلة : قد ترون نزول ولد الحكم إلى جانبي ، وأنه يلزمني الخروج إليه وقضاء حقه ، فإن نشطتم إلى ذلك وإلا سرت إليه وحدي فقالوا : بل نكون معك .

الصفحة 214