كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 23)
"""""" صفحة رقم 215 """"""
فخرج ومعه وجوه أهل طليطلة فأكرمهم عبد الرحمن وأحسن إليهم ، وكان الحكم قد أرسل مع ولده خادماً له ومعه كتاب لطيف إلى عمروس فلقيه الخادم وصافحه وسلّم الكتاب إليه من غير أن يحادثه . فلما قرأ عمروس الكتاب رأى فيه كيف تكون الحيلة على أهل طليطلة ، فأشار إلى عيون أهلها أن يسألوا عبد الرحمن الدخول إليه ليرى هو وأهل عسكره كثرتهم وقوتهم ومتعَتهم فظنوا أنه ينصحهم ، ففعلوا ذلك . وأدخلوا عبد الرحمن البلد ، فنزل مع عمروس في داره ، وأتاه أهل طليطلة أرسالاً يسلمون عليه ، وأشاع عمروس أن عبد الرحمن يريد أن يتخذ لهم وليمة عظيمة . وشرع في الاستعداد لذلك وواعدهم يوماً ذكره لهم ، وقرر أنهم يدخلون من باب ويخرجون من آخر ليقلّ الزحام ففعلوا ذلك وأتى الناس أفواجاً عند الميعاد ، فكان إذا دخل فوجٌ أُخذوا وحُملوا إلى جماعة من الجند على حُفرة كبيرة في القصر فتضرب رقابهم . فمل تعالى النهار أتى بعضهم فلم ير أحداً فقال : أين الناس ؟ فقيل له : إنهم يدخلون من هذا الباب ويخرجون من الآخر فقال : لم ألق منهم أحداً وعلم الحال فعاد وصاح بالناس وأعلمهم هلاك أصحابه ، فكان سبب نجاة من بقي منهم ، ودانوا وحسنت طاعتهم بقية أيام الحكم وأيام ولده عبد الرحمن ثم كان منهم بعد ذلك ما نذكره إن شاء الله تعالى .
ذكر عصيان أهل ماردة على الحكم وما فعله بأهل قرطبة
وفي سنة إحدى وتسعين عصى أصبغ بن عبد الله على الحكم ووافقه أهل ماردة وأخرجوا عامله عنها ، فاتّصل الخبر بالحكم ، فسار إليها وحصرها . فبينما هو في ذلك أتاه الخبر عن أهل قرطبة أنهم أعلنوا العصيان له ، فرجع إلى قرطبة مبادراً ، فوصلها في ثلاثة أيام وكشف عن الذين أثاروا الفتنة فصلبهم منكَّسين ، وضرب أعناق جماعة . فارتدع الباقون بذلك واشتدت كراهتهم للحكم ، ولم يزل أهل ماردة تارة يطيعون وتارة يعصون إلى سنة اثنتين وتسعين ، فضعُف أمر أصبغ بن عبد الله لأن الحكم تابع إرسال الجيوش واستمال جماعة من أهل ماردة وثقات أصحابه فمالوا إلى الحكم وفارقوا أصبغ حتى أخوه ، فضعفت نفسه فطلب الأمان فأمّنه الحكم ، ففارق ماردة ، وحضر إلى الحكم وأقام بقرطبة .