كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 23)
"""""" صفحة رقم 217 """"""
فلما فرغ من غزاته قال لأهل الثغور : أغاثكم الحكم ؟ قالوا : نعم وأثنوا عليه خيْراً ، وعاد إلى قرطبة مظفراً منصوراً .
وفي سنة سبع وتسعين ومائة اشتد الغلاء بالأندلس وعمّ البلاد ، ومات كثير من الخلق ، وكان أكثر الناس يطوون للعدم .
ذكر وقعة الربض بقرطبة
وفي سنة ثمان وتسعين ومائة كانت وقعة الربض بقرطبة ، وسببها أن الحكم كان كثير التشاغل بالشرب واللهو والصيد وغير ذلك مما يُجانسه ، وقد قدّمنا ما كان قد فعله بأهل قرطبة لما أرادوا خلْعه ومَنْ صلب منهم . فزادت كراهة أهلها فيه ، وصاروا يتعرّضون لجُنده بالأذى والسبّ ، وبالغوا حتى إنهم كانوا ينادون عند انقضاء الأذان الصلاة يا مخمور الصلاة وشافهه بعضهم بالقول وصفقوا عليه بالأكف . فشرع في تحصين قرطبة وعمارة أسوارها ، وحفر خنادقها ، وارتبط الخيل على بابه ، واستكثر من المماليك ، ورتب جمْعاً لا يفارقون باب قصره بالسلاح . فزاد ذلك في حقد أهل قرطبة ، وتحققوا أنه يفعل ذلك للانتقام منهم ، ثم وضع عليهم عُشر الأطعمة في كل سنة من غير حِرْص فكرهوا ذلك .
ثم عمد إلى عشرة من رؤسائهم وصلبهم ، فهاج لذلك أهل الربض ، وانضاف إلى ذلك أن مملوكاً له سلّم إلى صيْقل سيفاً ليصقله له فمطله الصقيل ، فأخذ ذلك المملوك السيف ولم يزل يضرب به ذلك الصقيل إلى أن مات وذلك في شهر رمضان من هذه السنة ، فكان أول من شهر السلاح أهل الرَّبض القبلي ، واجتمع أهل الأرباض جميعهم بالسلاح ، واجتمع الجُند والأمويون والعبيد بالقصر . وفرق الحكم الخيل والسلاح ، وجعل أصحابه كتائب .
ووقع القتال بين الطائفتين ، فغلبهم أهل الربض وأحاطوا بالقصر ، فنزل الحكم من أعلى القصر ولبس سلاحَه وحرّض الناس على القتال ، فقاتلوا قتالاً شديداً . ثم أمر ابن عمّه عبيد الله فثلم من السور ثلمة ، وخرج منها بقطعة من الجيش وأتى أهل الربض من وراء ظهورهم فلم يشعروا به ، وأضرم الناس في الربض . فانهزم أهله وقتلوا قتلاً ذريعاً وأُسِر من وجد في المنازل والدور فانتقى الحكم ثلاثمائة من وجوه الأسرى فصلبهم منكسين ، ودام النهب والقتل والحريق في أرباض قرطبة ثلاثة أيام .