كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 23)
"""""" صفحة رقم 218 """"""
ثم استشار الحكم فيهم عبد الكريم بن عبد الواحد بن مغيث ، فأشار عليه بالصفح عنهم والعفو ، وأشار غيره بالقتل ، فقبل عبد الكريم . وأمر فنُودي بالأمان على أنه من بقِيَ من أهل الربض بعد ثلاثة أيام قتل وصُلب ، فخرج من بقي منهم بعد ذلك مستخفياً ، وتحملوا على الصعب والذلول وخرجوا من حضرة قرطبة بنسائهم وأولادهم وما خفّ من أموالهم . وقعد لهم الجند والسفلة بالمرصاد ، ينهبون أموالهم ، ومن امتنع عليهم قتلوه .
فلما انقضت الأيام الثلاثة أمر الحكم بكفِّ الأذى عن حرم الناس ، وجمعهن إلى مكان واحد ، وأمر بهدْم الربض القبلي . وكان بزيع مولى أمية بن الأمير عبد الرحمن بن معاوية محبوساً في حبْس الدم وفي رجله قيدٌ ثقيل ، فلما رأى أهل قرطبة قد غلبوا الجُند سأل الحرس أن يُفرجوا عنه فأخذوا عليه العهد أن يعود فأطلقوه ، فخرج فقاتل قتالاً شديداً لم يكن في الجيش من قاتل مثله ، فلما انهزم أهل الربض عاد إلى السجن ، فانتهى خبره إلى الحكم فأطلقه وأحسن إليه . وقيل إن هذه الوقعة كانت في سنة اثنتين ومائتين والله أعلم . قال بعض المؤرخين : اجتمع في الربض أربعة آلاف فقيه وطالب وكان ممّن خرج عليه يحيى بن يحيى الليثي ، فهرب ونزل على حيٍّ من البربر ، ثم أمّنه الحكم بعد ذلك وحظي عنده . ومنهم الفقيه طالوت بن عبد الجبار ، ففرّ واستتر عند رجل يهوديّ عاماً كاملاً . وكان بينه وبين أبي البسام صداقة ، فقصده فأخبر الحكم به ، وأحضره إليه فعنّفه الحكم على خروجه عليه ، ثم أمّنه وصرفه إلى منزله وسأله أين استتر فأخبره باليهودي وبأبي البسّام ، فاغتاظ على أبي البسام وعزله عن وزارته وكتب عهداً أن لا يخدمه أبداً . ومنهم عبد الملك بن حبيب ، وغيرهم .
ذكر غزو الفرنج
وفي سنة مائتين جهّز الحكم جيشاً مع عبد الكريم بن مغيث إلى بلاد الفرنج ، فسار حتى توسّط بلادهم ، فخربها ونهبها وهدم عدةً من حصونهم ، واستنفذ خزائن ملوكهم . فلما رأى ملكهم ذلك كاتب جميع ملوك تلك النواحي ، واستنصر بهم فاجتمعت بهم فاجتمعت إليه أهل النصرانية من كل مكان . وأقبل في جموع عظيمة ونزل بإزاء عسكر