كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 23)

"""""" صفحة رقم 219 """"""
المسلمين وبينهم نهر ، فاقتتلوا عدة أيام والمسلمون يريدون عبور النهر إليهم وهم يمنعونهم من ذلك . فلما رأى المسلمون ذلك تأخروا عن النهر فعبر المشركون واقتتلوا أعظم قتال ، فانهزم الكفار إلى النهر وأخذهم السيف والأسر ، فأُسر جماعة من ملوكهم وكنودهم وقمامصتهم . وعاد الفرنج لزموا جانب النهر يمنعون المسلمين من عبوره فأقاموا ثلاثة عشر يوماً يقتتلون في كل يوم ، فجاءت الأمطار وزاد النهر فتعذر جوازه ، فقفل عبد الكريم عنهم في سابع ذي الحجة من السنة .
ذكر غزو البربر بناحية مورور
وفيها خرج خارجيّ من البربر من ناحية مورور ومعه جماعةٌ ، فوصل كتاب العامل بها إلى الحكم بخبره ، فأعفى الحكم أمره واستدعى من ساعته قائداً من قواده فأخبره بذلك سراً وقال له : سر من ساعتك إلى هذا الخارج وائتني برأسه وإلا فرأسك عوضه وأنا قاعد في مكاني هذا إلى أن تعود فسار القائد إلى الخارج ، فلما قاربه سأل عنه أنه في احتياط كثير واحتراز شديد ، فعجز عنه ثم تذكر قول الحكم فأعمل الحيلة حتى دخل عليه وقتله وأتى برأسه إلى الحكم ، فرآه بمكانه ذلك لن يتغير ، وكانت غيبته أربعة أيام ، فأحسن إلى القائد وأكرمه ووصله وأعلى محلّه .
ذكر وفاة الحكم
كانت وفاته يوم الخميس بعد الظهر لأربع بقين من ذي الحجة سنة ست ومائتين ، وكان عمره اثنتين وخمسين سنة وقيل ثلاثاً وخمسين سنة وقيل أقل من ذلك إلى تسع وأربعين سنة ، ومدة إمارته ستاً وعشرين سنة وعشرة أشهر وثلاثة عشر يوما . وكان طويلاً أسمر نحيفاً ، وله شِعر جيِّدٌ ، وهو أول من جَنَّد الجنود المرتزقة بالأندلس وجمع الأسلحة والعدد واستكثر من الحَشم والحواشي ، وارتبط الخيول على بابه ، واتخذ المماليك وجعلهم في المرتزقة فبلغت عدّتهم خمسة آلاف . وكانوا يسمون الخرس لعُجْمةِ ألسنتهم ، وكانوا نواباً على باب قصره .
وكان يطّلع على الأمور بنفسه ما قرُب منها وما بعُد ، وكان له نفر من ثقاة أصحابه يطالعونه بأحوال الناس ، فيردع الظالم ، وينصف المظلوم . وكان شجاعاً مقداماً مهيمِناً وكان يُقرِّب الفقهاء وأهل العلم . وكان له من الأولاد أبو مطرف عبد الرحمن وثمانية عشر ولداً ذكراً . كاتبه : الوزير أبو البسام .

الصفحة 219