كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 23)
"""""" صفحة رقم 226 """"""
وفيها كان سيلٌ عظيم بالأندلس فخرب جسر إستجة والأرجاء وعرٌَّ نهر إشبيلية ست عشرة قريةً ، وخرّب نهر باجة ثماني عشرة قرية ، وعرُض حتى صار عَرْضُه ثلاثون ميلاً وكان هذا حدثاً عظيماً وقع في جميع البلاد في شهر واحد .
وفي سنة سبعٍ وثلاثين ومائتين سارت جيوش المسلمين إلى بلاد العدو وكانت بينهم وقعةٌ عظيمة كان الظفر فيها للمسلمين وهي وقعة البيضاء .
ذكر وفاة عبد الرحمن وشيء من أخباره
كانت وفاته في ليلة الخميس لثلاث خلون من شهر ربيع الأول سنة ثمان وثلاثين ومائتين ، وقيل في شهر ربيع الآخر منها . وكان مولده في شعبان سنة ست وسبعين ومائة . فكان عمره اثنتين وستين سنة ومدة ولايته إحدى وثلاثين سنة وشهرين وستة أيام . وكان أسمر طويلاً أغَرَّ أقنى عظيم الجبهة يخضب بالحناء . وكان له من صلبه من الأولاد الذكور والإناث سبعةٌ وثمانون ولداً منهم خمسةٌ وأربعون ذكراً . وكان عالماً أديباً شاعراً ، يعرف علوم الفلاسفة . وفي أيامه دخل زرياب المغنّي إلى الأندلس فحضر يوماً عند عبد الرحمن وغنّى وعبيد الله بن قزمان الشاعر حاضر فقال زرياب :
قالت ظلوم سميّة الظلم . . . ما لي رأيتك ناحل الجسم
يا من رأى قلبي فأقصده . . . أنت العليم بموضع السهم
فقال عبد الرحمن : البيت الثاني منقطع عن الأول غير متصل به فقال ابن قزمان بديهة بعد البيت الأول :
فأجبتها والدمع منحدرٌ . . . مثل الجُمان زها على النظْم
فكساه عبد الرحمن وحباه . وهو أول من رتّب اختلاف الفقهاء إلى قصره ، وأمرهم بالكلام بين يديه . وكان عبد الرحمن بعيد الهمة ، اخترع قصوراً ومستنزهات كثيرة ، وزاد في الجامع بقرطبة رواقيْن . وكانت أيامه عافية وسكونٍ ، وكثُرت الأموال عنده وأقام أبّهة المملكة