كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 23)
"""""" صفحة رقم 231 """"""
وارتحل العسكر ، فأخذ ابن حفصون البغال وقتل العرفاء ، وعاد إلى سيرته الأولى . فعقد المنذر على نفسه أنه لا أعطاه صلحاً ولا عهداً إلا أن يُلفَى بيده وينزل على حكمه ، وأمر بالسكنى ، وأن تردّ أسواق قرطبة إلى طليطلة . ودام الحصار ، فمات وهو يحاصره .
وأن تردّ أسواق قرطبة إلى طليطلة . ودام الحصار ، فمات وهو يحاصره .
وكانت وفاته في يوم السبت لثلاث عشرة ليلة بقيت من صفر سنة خمس وسبعين ومائتين ، وقيل في نصف صفر . وعمره نحواً من ست وأربعين سنة وولايته سنة واحدة وأحد عشر شهراً ، وأيام .
وكان أسمر طويلاً ، جعداً كثَّ اللحية ، بوجهه أثر جدري ، وخلف ستة أولاد ذكوراً . وقيل لم يعقب فولى بعده أخوه
ذكر إمارة عبد الله بن محمد
هو أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل ، وأمه أم ولد اسمها عشار ، وهو السابع من أمراء بني أمية ببلاد الأندلس . بويع له بعد وفاة أخيه المنذر في يوم السبت لثلاث عشرة ليلة خلت من صفر سنة خمسٍ وسبعين ومائتين ، وقيل في منتصف صفر منها ، وذلك في خلافة المعتمد على الله العباسي .
ولما بويع له كان بالمعسكر على طليطلة فرحل نحو قرطبة ، ودخل القصر بها لثلاث بقين من صفر المؤرَّخ . قال إبراهيم بن الرقيق : ولما تولّى ألّب ابن حفصون عليه ، وحشد كور الأندلس حتى لم يبق منهل إلا قرطبة ، وأقبل فيمن أطاعه من أهل الكور . وخرج إليه الأمير عبد الله في أربعة عشر ألفاً من أهل قرطبة خاصة ، وأربعة آلاف من حشمه ومواليه . فبرز إليه ابن حفصون في سفح الجبل وسار له ، فلم تكن إلا صدمة صادقةٌ حتى أزالوهم عن مراكزهم . ودخل ابن حفصون الحصن كأنه يخرج من بقي فيه ، فثلم فيه ثلمة أخرج منها أهله وما كان له . فلما انتهى ذلك إلى عسكره ولَّوا مدبرين لا يلوي أحد منهم على أحد فقتلوا قتلاً ذريعاً ودخل منهم جماعةٌ في عسكره فأمر بالتقاطهم وجلس لهم في مظلة فقتِل بين يديه ألفٌ صبْراً .
وكانت في أيامه فتنٌ عظيمة ، وكثُر قيام الثوّار عليه حتى لم يبق في يده إلا مدينة قرطبة وحدها . وخالف عليه أهل إشبيلية وشَذُونة ، ولم تبق مدينة إلا خالفت عليه . وعزموا على الدعاء على منابر الأندلس للمعتضد بالله العباسي ، فكتبوا إلى إبراهيم بن أحمد الأغلب يسألونه أن يبعث إليهم رجلاً من قٍبله ، فتثاقل عنهم إبراهيم وشغله أيضاً اضطراب أهل أفريقية عليه ، فأمسكوا عن ذلك