كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 23)
"""""" صفحة رقم 232 """"""
وقلّت رجال عبد الله بن محمد ، وذهب من كان يصول له - هو وآباؤه - من مواليهم وأصحابهم ، وقلّت الأموال في يده لخروج أهل المدن وامتناعهم من أداء الخراج إليه . وكان خَراج الأندلس الذي يُؤدَّى إلى آبائه ثلاثمائة ألف دينار في كل سنة ، فكانوا يعطون رجالهم وخدمهم مائة ألف دينار ، وينفقون في أمورهم ونُوَّابهم وجميع ما يعرض لهم مائة ألف ، ويدّخرون مائة ألف . فلما امتنع أهل مدن الأندلس من أداء الخراج إليهم رجعوا إلى تلك الذخائر ينفقونها ، واتصلت عليهم الحروب خمس عشرة سنة فنفدت ذخائرهم واحتاجوا للقروض وكانت أيامه على هذه الحال إلى أن توفي ، وكانت وفاته في يوم الثلاثاء غُرة شهر ربيع الأول سنة ثلاثمائة ، وعمره سبعون سنة إلا شهوراً ، ومدة ولايته خمس وعشرون سنة ونصف شهر وكان مستبداً بآرائه ، مخالفاً لنصائحه ، ليّن الجانب جداً . بلغ من لينه أن ابنه مطرّفاً قتل أخاه محمد بن عبد الله والد الناصر فلم ينكر عليه ذلك ، بل قال له : قد سوّغتك قتل أخيك فالله الله في ابن أمية يعني وزيره فإنك إن قتلته قتلتك به ثم حذّر ابن أمية بن مطرّف ، وكان مطرّف قد عزم على خلعه فلم يمكنه ذلك لمكان ابن أمية ، فعمل عليه حتى قتله . ولما مات عبد الله ولِي بعده ابن ابنه عبد الرحمن .
ذكر إمارة عبد الرحمن بن محمد
هو أبو المطرّف عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل ، وأمه أم ولد اسمها مزنة ، وهو الثامن من أمراء بني أمية بالأندلس . بويع له بعد وفاة جدّه ، في مستهل شهر ربيع الأول سنة ثلاثمائة . وقال ابن الرقيق إنه أخ لعبد الله بن محمد ، وليس بصحيح وينقض ذلك عليه أنه قال فيه : ولي وهو ابن أربع وعشرين سنة ووفاة محمد بن عبد الرحمن قبل مولد عبد الرحمن هذا بأربع سنين ، وأظنه أُشكِل عليه أمره ، والتبس عليه محمد بن عبد الله بجدّه محمد بن عبد الرحمن ، والله تعالى أعلم .
قال : ولما ولي عبد الرحمن هذا تلقّب بأمير المؤمنين الناصر لدين الله ، وهو أوّل منْ لُقِّب بأمير المؤمنين ببلاد الأندلس . وكان منْ قَبله يُسمَّون ببني الخلائف ، ويُسلَّم عليهم ويُخطب لهم بالإمرة فقط . وإنما تسمّى هذا بأمير المؤمنين لما بلغه ضعْف الخلافة بالعراق في أيام المقتدر بالله ، وظهور الشيعة بالقَيْروان ، ودعاؤهم للمهدي . فكان في ذلك ثلاثة خلائف تَلَقَّب كل منهم بأمير المؤمنين ؛ فالمقتدر بالعراق ، والمهدي بالقيروان ، وهذا الناصر بالأندلس .